السارق الذي ليس له يمين أو الذي ليس له يسار

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا كانت يدُ السارق اليمنى شلاء فهل تقطع يده اليسرى أو يتعيَّن قطع اليمنى على أيِّ حال؟ وماذا لو لم تكن للسارق يسار فهل تقطع يمينُه أو يسقط عنه حدُّ القطع؟ ولو لم تكن للسارق يمينُ فهل تقطع يساره أو يقطع من رجله اليسرى أو يسقط عنه حدُّ القطع؟

الجواب:

إذا كانت يمين السارق شلَّاء:

أما إذا كانت اليد اليمنى للسارق شلَّاء فالمشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم هو أنَّها تُقطع وإنْ كانت شلَّاء، وكذلك تُقطع اليمنى حتى لو كانت اليسرى شلَّاء بل تُقطع اليمنى حتى لو كان كلٌّ من اليدين شلَّاء، هذا ما عليه المشهور بل نُسب للشيخ الطوسي في الخلاف، وابن زهرة في الغنية الإجماع على ذلك(1).

والمستند فيما أفاده المشهور مضافاً إلى إطلاقات ما دلَّ على تعيُّن قطع يمين السارق، المستند في ذلك هو مثل صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلٍ أَشَلِّ الْيَدِ الْيُمْنَى أَوْ أَشَلِّ الْيَدِ الشِّمَالِ سَرَقَ؟ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُه الْيُمْنَى عَلَى كُلِّ حَالٍ"(2).

فهذه الرواية صريحة في تعيُّن قطع يمين السارق وإنْ كانت شلاء أو كانت اليسرى شلاء، وهي ظاهرة بمقتضى قوله: "على كلِّ حال" في تعيُّن قطع يمين السارق حتى في فرض كونهما شلاوين.

وكذلك تدلُّ على ما أفتى به المشهور صحيحة زرارة وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إنَّ الأشلَّ إذا سرق قُطعت يمينُه على كلِّ حال شلاء كانت أو صحيحة، فإنْ عاد فسرق قطعت رجلُه اليسرى، فإن عاد خلِّد في السجن وأُجري عليه من بيت المال وكُفَّ عن الناس"(3).

فهذه الصحيحة صريحة في تعيُّن القطع ليمين السارق وإنْ كانت شلاء، وظاهرة في تعيُّن قطعها وإن كانت اليسرى شلاء أو كان كلٌّ منهما شلَّاء. نعم إنَّما يتعيَّن قطع يمين السارق وإن كانت شلاء إذا لم يترتَّب على قطعها السراية المفضيةُ للهلاك كما لو كان القطع موجباً لعدم اندمال الجراح فحينذاك يسقط القطع، إذ أن حكم السارق هو القطع وليس القتل. والفرض أنَّ القطع يفضي للقتل ولهذا يسقط.

ما نٌسب للإسكافي ومناقشته:

هذا وقد نُسب للإسكافي رحمه الله القول بعدم قطع يمين السارق الصحيحة إذا كانت يساره شلَّاء، وذلك بدعوى أنَّ اليد الشلاء كالمعدومة فإذا قطعت يمينه الصحيحة بقي بلا يدين والمعهود من حكمة الشارع هو إبقاء إحدى اليدين(4).

وكذلك استدل للإسكافي بروايتين:

الأولى: مرسلة المفضّل بن صالح عن بعض أصحابه، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): "إذا سرق الرجل ويده اليسرى شلاّء لم تقطع يمينه ولا رجل"(5).

والثانية: صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن السارق يسرق فتقطع يده، ثمّ يسرق فتقطع رجله، ثمّ يسرق، هل عليه قطع؟ فقال: في كتاب علي (عليه السلام): أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مضى قبل أن يقطع أكثر من يدٍ ورجل، وكان علي (عليه السلام) يقول: إنّي لأستحيي من ربّي أن لا أدع له يداً يستنجي بها أو رجلاً يمشي عليها"(6).

إلا أنَّ ما يرد على الاستدلال بالروايتين أنَّ الأولى وإنْ كانت ظاهرة في عدم قطع اليمنى إذا كانت اليسرى شلاء إلا أنَّها ضعيفة بالإرسال مضافاً إلى ضعف المفضل نفسه، فالرواية فاقدة لشرط الحجيَّة.

وأمَّا الرواية الثانية فتقريبُ الاستدلال بها هو أنَّها ظاهرة في أنَّ علَّة الإبقاء على اليد اليسرى هو أنَّه لو تمَّ قطعها والحال أنَّه ليس له يدٌ يمنى لكان ذلك مفضياً لعجزه عن تدبير شؤونه الضرورية، وهذه العلة كما هي متحقَّقة في فرض كون يده اليمنى مقطوعة كذلك هي متحققة في فرض كون يساره شلَّاء، فاليد الشلاء بمثابة المقطوعة، ولهذا لو قُطعت يمينُه الصحيحة والحال أنَّ يساره شلاء لم يكن له ما يدبر به ضروراته، فوحدة المناط في الفرضين يقتضي التعدية من الفرض المنصوص إلى الفرض الآخر، وهو ما إذا كانت يساره شلاء، فإنَّه لو قُطعت يمينه الصحيحة في هذا الفرض لم يكن له ما يدبر ضروراته، ولهذا لا تُقطع اليمنى إذا كانت اليسرى شلاء.

وأجاب السيد الخوئي أنَّ هذا البيان يتمُّ لو لم يرد نصُّ خاص صريح في لزوم قطع اليمنى حتى في فرض كون اليسرى شلاء(7). فورود النص الخاص والصريح يكشف عن أنَّ ما ورد في صحيحة عبد الرحمن لا يتناول الفرض المذكور.

إذا لم تكن للسارق يسار:

وأما إذا لم تكن للسارق يسار فهل تقطع يمينه؟

المشهور -كما أفاد صاحب الجواهر(8)- أنَّ يمينه تُقطع في هذا الفرض، والظاهر أن مستندهم في ذلك هو إطلاقات ما دلَّ الأمر بقطع يمين السارق دون تفصيل أو استفصال، ويؤيد ذلك ما ورد في صحيحتي عبد الله بن سنان من أنَّ الأمر بقطع يمين السارق وإن كانت يساره شلاء والأمر بقطعها على كلِّ حال.

إلا أن ذلك منافٍ لما نصَّت عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج، قال: سألتُ أبا عبدالله (عليه السلام) عن السارق يسرق فتُقطع يدُه، ثمّ يسرق فتقطع رجله، ثمّ يسرق، هل عليه قطع؟ فقال: "في كتاب عليٍّ (عليه السلام): أنّ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مضى قبل أن يقطع أكثر من يدٍ ورجل، وكان علي (عليه السلام) يقول: إنّي لأستحيي من ربّي أن لا أدع له يداً يستنجي بها أو رجلاً يمشي عليها، قال: فقلتُ له: لو أنّ رجلاً قُطعت يدُه اليسرى في قصاصٍ فسرق، ما يُصنع به؟ قال: فقال: "لا يقطع ولا يترك بغير ساق" قال: قلت: لو أنّ رجلاً قطعت يده اليمنى في قصاص ثمّ قطع يد رجل، أيقتصّ منه أم لا؟ فقال: "إنّما يترك في حقّ الله عزّ وجلّ ، فأمّا في حقوق الناس فيقتصّ منـه في الأربع جميعاً"(9).

فإنَّ الرواية صريحة في أنَّ الرجل إذا قُطعت يساره في قصاص ثم سرق فإنَّ يمينه لا تُقطع، نعم لو أنَّه بعد قطعت يساره قصاصاً قطعَ يد رجلٍ فإنَّ يمينه تقطع وإنْ لم تكن له يسار، وذلك لأنَّ القصاص من حقوق الناس فيقتصُّ منه في الأطراف الأربعة على كلِّ تقدير، وأمَّا القطع في السرقة فهو من حقٍّ الله تعالى لذلك تترك له يدٌ يستنجي بها ويستعينُ بها على تدبير ضروراته. نعم خرجنا عن ذلك في فرض كون يساره شلاء فإنَّ يمينه تقطع في السرقة لورود النص الخاص، وهو صحيحة عبد الله بن سنان، وأما فيما عدا مورد النص فإنَّ مقتضى صحيحة عبد الرحمن هو أنَّ السارق لا يُترك دون يدٍ، فإذا كانت يساره مقطوعة فإنَّ يمينه لا تُقطع بالسرقة.

نعم قوله (ع) -بحسب الرواية-: "ولا يترك بغير ساق" مجمل كما أفاد السيد الخوئي(10)، إذ أنَّ السؤال عن قطع اليد اليمنى فأيُّ دخلٍ لذلك بترك الساق دون قطع، على أنَّ الساق لا تُقطع على أيِّ تقديرٍ، فهذه الفقرة مجملة إلا أنَّ إجمالها لا يضرُّ بظهور الرواية في أنَّ السارق لا يترك بغير يدٍ يستعين بها على شؤونه، فإذا لم تكن له يسار فإنَّ يمينه لا تُقطع.

وإذا قيل إنَّ إجمال قوله: ولا يترك بغير ساق" يفضي إلى إجمال المقصود من قوله: "لا تقطع" فلعلَّ المقصود من قوله: "لا تقطع" هي الرجل، فجوابه أنَّه حتى لو كانت هذه الفقرة مجملة فإنَّه لا إجمال في قوله: "إنّي لأستحيي من ربّي أن لا أدع له يداً يستنجي بها أو رجلاً يمشي عليها" وقوله: "إنّما يترك في حقّ الله عزّ وجلّ، فأمّا في حقوق الناس فيقتصّ منـه في الأربع جميعاً" فإنَّ ذلك شديد الظهور في أنَّ السارق لا يُترك دون يدٍ يستعين بها على شؤونه، ولا يترك دون رجلٍ يمشي بها. ولذلك فالصحيح ظاهراً هو أنَّ السارق إذا لم تكن له يسار فإنَّ يمينه لا تُقطع.

إذا لم تكن للسارق يمين:

وأما إذا لم تكن للسارق يمين فهل تقطع يساره أو لا؟ وإذا لم يشرع قطع يساره فهل تقطع رجله اليسرى أو لا؟ وإذا لم تقطع رجله فهل يخلَّد في السجن؟

فالجواب هو أنَّه لا تُقطع يساره لأنَّ الدليل قام على أنَّ السارق إذا سرق قُطعت يمينُه فمع فرض أنَّه لا يمين له فإنَّه لا موضوع للأمر بالقطع، ولا دليل على الانتقال من اليمين إلى اليسار، والقول إنَّ الدليل على الانتقال إلى اليسار هو إطلاق الآية التي أمرت بقطع يد السارق، فإذا لم تكن له يمين تعيَّن قطع يساره، فجوابه أنَّ هذا الإطلاق مقيَّد بما دلَّ على أنَّ السارق لا يُترك بغير يدٍ، فإذا لم تكن له يمين وقُطعت يساره صار دون يدين وهو ما دلَّت مثل صحيحة عبد الرحمن على أنه لا يُترك دون يدٍ يستعين بها على شؤونه.

وكذلك فإنَّ من لا يمين له لا تُقطع رجله اليسرى لأنَّ موضوع الحكم بقطع الرجل اليسرى هو من سرق أول مرة فقُطعت يمينه فإذا عاد فسرق قُطعت رجلُه اليسرى، وأما من سرق أول مرة ولم تكن له يمين فإنَّه خارج موضوعاً عن حكم القطع للرجل اليسرى.

وهكذا فإنَّه لا يُخلَّد في الحبس لأنَّ موضوع الحكم بالتخليد في الحبس هو مَن سرق في المرَّة الثالثة بعد قطع يمينه في الأولى ورجلِه اليسرى في الثانية، فهذا هو من يخلَّد في الحبس، وأمَّا مَن سرق أوَّل مرَّةٍ ولم تكن له يمين فلا دليل على أنَّه يُخلَّد في الحبس.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

25 / جمادى الآخر / 1447ه

17 / ديسمبر / 2025م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص535.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص225، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص266.

3- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص66، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص267.

4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي-ج41 / ص535.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص108، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص267.

6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص108، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص267.

7- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص371.

8- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص537.

9- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص108، وسائل الشيعة- الحر العاملي- ج28 / ص267.

10- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص371.