موت السارق بإقامة الحدِّ عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
لو أنَّ المباشر المكلَّف بإقامة الحدِّ على السارق تعمَّد فقطع يساره رغم علمه بأنَّ ما يقطع من السارق هي اليمين فهل يستحقُّ بذلك القصاص؟ وماذا لو فعل ذلك جهلاً أو اشتباهاً؟ وهل يسقط قطع اليمين عن السارق في هذا الفرض؟ وماذا لو مات السارق بسبب إقامة الحدِّ عليه؟
الجواب:
أمَّا إذا قطع المكلَّف بإقامة الحدِّ يسارَ السارق متعمِّداً رغم العلم بأنَّه مكلَّفٌ يقطع يمينه ففي مثل هذا الفرض يكون مستحقَّاً للقصاص، لأنَّ ما فعله كانت جنايةً متعمَّدة عن علم، والمفترض أنَّ يسار السارق محقونة شرعاً، لذلك يعدُّ قطعها تعدياً على دمٍ محترم، لهذا يكون المتعدِّي مستحقاً للقصاص لكونه مشمولاً لإطلاق ما دلَّ استحقاق المتعدِّي على النفس أو الأطراف للقصاص.
وأمَّا لو قطع المكلَّف بإقامة الحدِّ يسار السارق جهلاً أو اشتباهاً كما لو توهم أنَّها يمينه ففي مثل هذا الفرض تلزمه الدية للسارق، لأنَّ ما فعله يُعدَّ من الخطأ الشبيه بالعمد والذي تترتَّب عليه الدية للمجنيِّ عليه.
هل يسقط قطع اليمين بقطع اليسار:
وأما سقوط قطع اليمين عن السارق بعد قطع يساره عمداً وعن علم من القاطع فالمشهور هو عدم السقوط بل أدُّعي عدم الخلاف والإشكال في ذلك كما أفاد صاحب الجواهر(1) واستدلَّ على ذلك بإطلاق ما دلَّ على وجوب قطع يمين السارق، فإنَّ مقتضى إطلاق هذه الروايات هو لزوم قطعها سواءً كانت له يسار أو كانت مقطوعة، وكذلك استُدلَّ بالأصل أي الاستصحاب، إذ أنَّه قبل أن تُقطع يساره جنايةً كان مستحقاً لأنْ تُقطع يمينه فمع الشك بعد قطع يساره في سقوط هذا الحقِّ يكون الاستصحاب مقتضياً لعدم السقوط.
وأجيب عن ذلك بأنَّ ما دلَّ على وجوب قطع يمين السارق مقيَّد بما دلَّ على أنَّه لا يترك السارق بغير يد يستنجي بها ويستسعي بها في قضاء حوائجه. ويمكن تأييد سقوط القطع لليمين بصحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي رَجُلٍ أُمِرَ بِه أَنْ يُقْطَعَ يَمِينُه فَقُدِّمَتْ شِمَالُه فَقَطَعُوهَا وحَسَبُوهَا يَمِينَه وقَالُوا إِنَّمَا قَطَعْنَا شِمَالَه أتُقْطَعُ يَمِينُه قَالَ: فَقَالَ: لَا يُقْطَعُ يَمِينُه وقَدْ قُطِعَتْ شِمَالُه .."(2) فهذه الصحيحة وإنْ كان موردها هو فرض قطع يسار السارق اشتباهاً إلا أنَّها صالحة للتأييد لقوة احتمال أنَّ منشأ سقوط القطع عن اليمين هو أنَّ يساره مقطوعة بغض النظر عن منشأ قطعها. ولعلَّ ما يؤيد ذلك هو أن قوله (ع): "لَا يُقْطَعُ يَمِينُه وقَدْ قُطِعَتْ شِمَالُه" ظاهر أو مشعِر بأنَّ العلة في المنع من قطع يمينه هو أنَّ شماله قد قُطعت. راجع ما ذكرناه تحت عنوان السارق الذي ليس له يمين أو الذي ليس له يسار.
وأما الاستدلال بالأصل فلا يُصار إليه بعد دلالة الروايات على سقوط حقِّ القطع لليمين حين لا يكون للسارق يسار.
وأمَّا سقوط قطع اليمين عن السارق بعد قطع يساره جهلاً أو اشتباها فالمنسوب -كما أفاد صاحب الجواهر- للشيخ الطوسي في المبسوط وكذلك العلامة الحلي في التحرير هو عدم السقوط تمسُّكاً بإطلاق ما دلَّ على وجوب قطع يمين السارق.
إلا أنَّ هذا الإطلاق كما ذكرنا مقيَّد بما دلَّ على أنَّه لا يترك السارق بغير يد، هذا مضافاً إلى ما ورد في صحيحة محمد بن قيس من التصريح بسقوط القطع لليمين في فرض قطع الشمال اشتباهاً فقد روي مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي رَجُلٍ أُمِرَ بِه أَنْ يُقْطَعَ يَمِينُه فَقُدِّمَتْ شِمَالُه فَقَطَعُوهَا وحَسَبُوهَا يَمِينَه وقَالُوا: إِنَّمَا قَطَعْنَا شِمَالَه أتُقْطَعُ يَمِينُه؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا يُقْطَعُ يَمِينُه وقَدْ قُطِعَتْ شِمَالُه .."(3).
إذا مات السارق بسبب إقامة الحدِّ عليه:
وأمَّا الحكم فيما لو مات السارق بسبب إقامة الحدِّ عليه دون تعدٍّ فالمشهور -كما أفاد صاحب الجواهر(4)- هو عدم الضمان وقد نصَّت على ذلك عددٌ من الروايات:
منها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ قَتَلَه الْحَدُّ فِي الْقِصَاصِ فَلَا دِيَةَ لَه .."(5).
ومنها: معتبرة أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) -في حديث- قال: سألتُه عن رجلٍ قتله القصاص له دية؟ فقال: "لو كان ذلك لم يُقتصَّ من أحد"ٍ، وقال: "من قتله الحدُّ فلا دية له .."(6).
وفي مقابل ما عليه المشهور نُسب إلى بعض الأعلام(7) التفصيل بين الحدود التي لله تعالى فلا تجب الدية وبين الحدود التي للناس فتجب الدية من بيت المال ويُستدلُّ لذلك الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ (ع) يَقُولُ: "مَنْ ضَرَبْنَاه حَدّاً مِنْ حُدُودِ اللَّه فَمَاتَ فَلَا دِيَةَ لَه عَلَيْنَا، ومَنْ ضَرَبْنَاه حَدّاً فِي شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ فَمَاتَ فَإِنَّ دِيَتَه عَلَيْنَا"(8).
وفي الفقيه للصدوق قال: وقال الصادق (عليه السلام): "من ضربناه حدا من حدود الله فمات فلا دية له علينا، ومن ضربناه حدَّاً من حدود الناس فمات فإنَّ ديته علينا"(9).
إلا أنَّ رواية الفقيه ضعيفة بالإرسال، ورواية الحسن بن صالح الثوري ضعيفة لعدم ورود توثيق للحسن بن صالح بل أفاد الشيخ الطوسي في التهذيب أنَّه متروك العمل بما يختصُّ بروايته قال في باب المياه وأحكامها: "والراوي له الحسن بن صالح وهو زيدي بتريُّ متروكُ العمل بما يختصُّ بروايته"(10).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
24 / رجب / 1447ه
14 / يناير / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص541.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص223. وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص260.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص223. وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص260.
4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص470.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص290، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص59.
6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ص207، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص63.
7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص471.
8- الكافي -الكليني- ج7 / ص292.
9- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص72.
10- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص408.