إناطة قطع السارق بمطالبة المسروق منه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا أقرَّ السارق عند الحاكم بالسرقة أو قامت عليه البيِّنة ولم يرفع المسروق منه أمرَه للحاكم، ولم يطالب بإقامة الحدِّ عليه فهل يسقط الحدُّ عن السارق أو أنَّ للحاكم إقامةَ الحدِّ عليه وإنْ لم يُطالب به المسروق منه؟
الجواب:
المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم(1) هو أنَّه ليس للحاكم إقامة الحدِّ على السارق لمجرَّد الإقرار أو قيام البينة الحسبية فليس له إقامة الحدِّ على السارق ما لم يُطالب بإقامته عليه المسروق منه، ويستدلُّ على ذلك الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَمِعْتُه يَقُولُ:" الْوَاجِبُ عَلَى الإِمَامِ إِذَا نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَزْنِي أَوْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْه الْحَدَّ ولَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ مَعَ نَظَرِه، لأَنَّه أَمِينُ اللَّه فِي خَلْقِه، وإِذَا نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَسْرِقُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْه أَنْ يَزْبُرَه ويَنْهَاه ويَمْضِيَ ويَدَعَه، قُلْتُ كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: لأَنَّ الْحَقَّ إِذَا كَانَ لِلَّه فَالْوَاجِبُ عَلَى الإِمَامِ إِقَامَتُه، وإِذَا كَانَ لِلنَّاسِ فَهُوَ لِلنَّاسِ"(2).
فالرواية ظاهرة في أنَّه ليس للحاكم إقامةُ الحدِّ على السارق ما لم يُطالب بذلك المسروق منه كما هو مقتضى قوله (ع): "وإذا كان للناس فهو للناس" والذي جاء تعليلاً لقوله: "وإِذَا نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَسْرِقُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْه أَنْ يَزْبُرَه ويَنْهَاه ويَمْضِيَ ويَدَعَه" فالحدُّ الذي على السارق هو من الحقوق التي للناس بمقتضى هذه الرواية، ولذلك ليس للحاكم إقامة الحد على السارق استناداً إلى علمه أو استناداً إلى الإقرار أو البينة الحسبية إلا إذا طالب المسروق منه إقامة الحد.
وأجيب عن الاستدلال بهذه الرواية بأنَّها معارضة بصحيحة الفضيل قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من أقرَّ على نفسه عند الإمام بحقٍّ من حدود الله مرَّة واحدة .. فعلى الإمام أن يُقيم الحدَّ عليه للذي أقرَّ به على نفسه كائنا من كان إلا الزاني المحصن .. قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام): ومَن أقرَّ على نفسِه عند الإمام بحق حدٍّ من حدود الله في حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحد الذي أقر به عنده حتى يحضر صاحب الحق أو وليه فيطالبُه بحقِّه، قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد الله فما هذه الحدود التي إذا أقرَّ بها عند الإمام مرَّةً واحدة على نفسه أُقيم عليه الحد فيها ؟ فقال: إذا أقرَّ على نفسه عند الإمام بسرقةٍ قطعه، فهذا من حقوق الله، وإذا أقرَّ على نفسه أنَّه شرب خمراً حده، فهذا من حقوق الله .."(3).
فهذه الرواية معارضة لصحيحة الحسين بن خالد وذلك لاشتمالها على قوله (ع): "إذا أقرَّ على نفسه عند الإمام بسرقةٍ قطعه، فهذا من حقوق الله" فمقتضى هذه الرواية أنَّ للحاكم إقامة الحدِّ على السارق لمجرد الإقرار لأنَّ هذا الحدَّ من حقوق الله تعالى، ويؤكد ظهور الرواية في ذلك هو أنَّ الإمام (ع) كان في مقام الجواب عن بيان الحدود التي للحاكم إقامتها لمجرد الإقرار عنده في مقابل الحدود التي هي من حقوق المسلمين.
فصحيحة الفضيل معارضة لصحيحة الحسين بن خالد والترجيح كما أفاد السيد الخوئي(4) لصحيحة الفضيل وذلك لموافقتها للكتاب والسنَّة الدالين على ثبوت حدِّ السرقة على السارق وحيث لم يثبت التقييد بمطالبة المسروق منه إلا من صحيحة الحسين بن خالد وهي فاقدة للحجية لابتلائها بالمعارض لذلك يكون المرجع -بعد سقوط الصحيحتين عن الحجية بالمعارضة- هو إطلاق ما دلَّ من الكتاب والسنَّة على استحقاق السارق للحد.
إلا أن يقال إنَّ صحيحة الفضيل لا تصلح لمعارضة صحيحة الحسين بن خالد المقتضية لإناطة إقامة الحد بمطالبة المسروق منه، ومنشأ عدم صلاحيتها للمعارضة هو فقدانها للحجيَّة في نفسها لإعراض المشهور عن العمل بها، وبذلك تكون صحيحة الحسين بن خالد صالحة لتقييد إطلاقات ما دلَّ من الكتاب والسنَّة على الأمر بقطع يد السارق.
وإذا تمَّ ذلك يكون الصحيح ما ذهب إليه المشهور من أنَّه ليس للحاكم إقامة الحدِّ على السارق استنادا إلى الإقرار أو البينة الحسبية ما لم يطالب المسروق منه بإقامة الحدِّ خلافاً لما هو المعروف عند العامة من أنَّ للحاكم إقامة الحد على السارق استناداً إلى البينة الحسبية(5).
والحمد لله ربِّ العامين
الشيخ محمد صنقور
26 / رجب / 1447ه
16 / يناير / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص550، رياض المسائل -السيد على الطبأطبائي- ج16 / ص147.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص262، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص58.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص7، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص57.
4- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص318.
5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص551.