اشتركوا في سرقة مالٍ نصيب كل واحد دون النصاب

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا اشترك اثنان أو أكثر في سرقة مالٍ من حرزٍ وكان مجموع المال يبلغ النصاب ولكنَّ نصيب كلِّ واحدٍ منهما أو منهم لا يبلغ النصاب فهل يستحقُّون القطع؟ وماذا لو هتك الحرز اثنان أو جماعة وأخرج المالَ منه واحدٌ فهل القطع يكون على الجميع؟

الجواب:

إذا اشترك اثنان أو أكثر في سرقة مالٍ يبلغ نصاباً فإنْ كان كلٌّ منهما أو منهم قد أخرج مقداراً لا يبلغ النصاب فهنا لا يستحق أيٍّ منهما أو منهم الحدَّ وإنْ كان مجموع ما تمَّ إخراجه يبلغ النصاب أو يزيد، وذلك لأنَّ موضوع استحقاق الحدِّ هو الهتك للحرز والسرقة لمقدار النصاب وليس فيهم -بحسب الفرض- مَن كان مقدار ما سرقه يبلغ النصاب، ولهذا لا يستحقُّ أيٍّ منهما أو منهم للحدِّ دون خلاف بين الأعلام كما أفاد صاحبُ الجواهر رحمه الله تعالى(1).

اشتراك جماعة في الهتك والإخراج للنصاب:

وأمَّا إذا اشترك جماعةٌ في سرقة مالٍ يبلغ نصاباً فأخرجوه معاً من الحِرز بعد هتكه بأنْ وضعوا أيديَهم عليه وتآزروا على إخراجه من الحِرز فهل يستحقُّ كلٌّ منهم الحدَّ -رغم أنَّ نصيب كلِّ واحد منهم من المال المسروق لا يبلغُ النصاب- أو لا يستحق أيٍّ منهم الحد؟

اختلف الأعلام في ذلك فقد نُسب -كما في الجواهر(2)- إلى الشيخ المفيد والسيِّد المرتضى والشيخ الطوسي وجميع أتباعه القول بوجوب الحدِّ على الجميع بل نُسب إلى السيِّد المرتضى في الانتصار وإلى ابن زهرة في الغنية دعوى الإجماع على وجوب إقامة الحدِّ على الجميع، وذلك لصدق سرقة النصاب على المجموع فيكون موضوع الحدِّ متحققاً، فجميعُهم -بحسب الفرض- اشتركوا في إخراج مقدار النصاب من الحِرز بعد هتكه.

وكذلك يدلُّ على استحقاق المجموع للحدِّ ما ورد في صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "قضى أميرُ المؤمنين (عليه السلام) في نفرٍ نحروا بعيراً فأكلوه فامتٌحِنوا أيُّهم نحروا، فشهدوا على أنفسِهم أنَّهم نحروه جميعاً، لم يخصُّوا أحداً دون أحدٍ، فقضى (عليه السلام) أنْ تُقطع أيمانُهم"(3).

الجواب على الاستدلال على وجوب القطع للجميع:

وأُجيب عن ذلك بأنَّه وإنْ كان يصدقُ على كلٍّ منهم أنَّه سرق إلا أنَّ ذلك ليس هو موضوع الحدِّ، فموضوع الحدِّ هو سرقة ما يبلغ مقدار النصاب، والمفروض أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يبلغ ما سرقه مقدار النصاب.

وبتعبير آخر: موضوع الحدِّ هو المكلَّف الذي سرق مقدار النصاب، وهو غير متحقِّقٍ -بحسب الفرض- لأنَّ نصيبَ كلِّ واحدٍ لا يبلغ حدَّ النصاب، نعم مجموع ما تمَّت سرقته يبلغُ مقدار النصاب ولكن هذا المجموع منتسبُ لمجموع المشتركين في السرقة، ومن الواضح أنَّ مجموع السرَّاق ليس هو موضوع الحدِّ، فموضوع الحدِّ هو المكلف السارق، والمفترض أنَّ المكلَّف السارق لم يبلغ ما سرقه مقدار النصاب، يعني أنَّ المقدار المُنتسِب إليه أنَّه سرقه لا يبلغ حدَّ النصاب، فكلُّ واحدٍ منهم لا يصدقُ عليه أنَّه سرق مقدارَ النصاب فلا يكون موضوعاً للحدِّ، نعم يصدقُ على مجموعهم سرقة مقدار النصاب ولكن ذلك ليس هو موضوع الحد.

 وأمَّا الاستدلال بصحيحة محمد بن قيس فلا يصحُّ، وذلك لعدم ظهورها في أنَّ نصيب كلِّ واحدٍ منهم كان دون النصاب وليس في الرواية إطلاقٌ، فهي قضية في واقعة، فلعلَّ نصيب كلِّ واحدٍ منهم يبلغ أو يزيد على مقدار النصاب، وفي مثل هذا الفرض يستحقُّ كلُّ واحدٍ منهم الحد. وعليه فالرواية أجنبيَّة عن مفروض المسألة.

نعم قد يستدل على وجوب القطع على الجميع بما رواه الشيخ الطوسي في النهاية قال:"روى أصحابنا: أنه إذا بلغت السرقة نصاباً، وأخرجوها بأجمعهم، وجب عليهم القطع، ولم يُفصِّلوا(4) فإنَّ مقتضى إطلاق هذه الرواية هو وجوب القطع على الجميع إذا اشتركوا جميعاً في إخراج مقدار النصاب سواءً بلغ نصيبُ كلِّ واحدٍ مقدار النصاب أو لم يبلغ. إلا أنَّ الرواية فاقدة للحجيَّة لكونها مرسلة ولعلَّها هي ذاتها صحيحة محمد بن قيس والتي لا ظهور لها في الإطلاق.

إذا هتك الحرز جماعة وأخرج المال أحدهم:

وأمَّا لو هتك الحرز اثنان أو جماعة ولكنَّ من أخرج المال واحدٌ، فالمستحق للقطع هو خصوص المُخرِج للمال إذا كان بمقدار النصاب، وذلك لأنَّ موضوع القطع هو هتك الحرز والإخراج للمال منه، وهو ما لم يتحقق إلا ممَّن شارك في الهتك وباشر وقام بإخراج المال من الحرز، وأما البقية فهم وإن شاركوا في هتك الحرز ولكنَّهم لم يشتركوا في إخراج المال.

وكذلك هو الشأن لو أنَّهم اشتركوا في هتك الحرز ودخل أحدُهم وقرَّب المال من المَخرج دون أن يُخرجه، فقام آخر فأخرج المال من الحرز، فإنَّ المستحِقَّ للقطع هو مَن أخرج المال من الحِرز.

ولو أنَّ أحدهم هتك الحرز ولم يخرج المال والآخر أخرج المال دون أنْ يشارك في هتك الحرز فإنَّه لا قطع على كلِّ منهما لعدم تحقُّق الموضوع في أيٍّ منهما.

 ولو أنَّ أحداً هتك حرزاً وأخرج منه المال على دفعات وكان مقدار ما أخرجه في كلِّ دفعة دون النصاب ولكن مجموع ما أخرجه يبلغ النصاب فهنا إن أعتبر عرفاً أنَّ ما أخرجه على دفعات سرقة واحدة استحقَّ القطع لتحقق موضوع القطع في حقِّه، وإن اعتبر ما فعله سرقات متعدِّدة -كما لو كانت الفاصلة بين كلِّ دفعة والأخرى طويلة- فلا يستحق القطع لأنَّ مقدار المسروق في كل سرقة لا يبلغ النصاب بحسب الفرض. وكونُ المجموع بمقدار النصاب لا يصحِّح القطع بعد افتراض أنَّها سرقات متعددة، إذ أنَّ المصحِّح للقطع هو أنْ يبلغ المسروق في السرقة الواحد مقدار النصاب.

إذا أحدث في المال ما يوجب نقصه عن النصاب:

ولو أنَّ أحداً هتك حرزاً وأخذ المال منه وكان بمقدار النصاب إلا أنَّه قبل أنْ يُخرجه من الحرز أحدث فيه ما يوجب نقصانه عن النصاب كما لو ذبح الشاة قبل إخراجها من الحرز فنقصت قيمتُها عن النصاب، فهنا لا يجب عليه القطع، لأنَّ ما أخرجه لا يبلغ مقدار النصاب بحسب الفرض، نعم كان المال حين أخذه وقبل إخراجه يبلغ مقدار النصاب إلا أنَّه لا تصدق السرقة بمجرَّد الأخذ وإنَّما تصدق بالإخراج، فحين كان المال بمقدار النصاب لم تتحقق السرقة، لأنَّه لم يتم إخراجها من الحرز، وحين أخرج المال من الحرز لم يكن بمقدار النصاب.

وبتعبير آخر: موضوع القطع هو سرقة مقدار النصاب، والسرقة تتحقق بإخراج مقدار النصاب من الحرز، ومفروض المسألة هو أنَّه حين كان المال بمقدار النصاب لم يكن قد أخرجه من الحرز، فهو إذن لم يسرقه بعدُ، وحين سرقه -أي أخرجه من الحرز- لم يكن يبلغ مقدار النصاب، لأنَّه قد تصرف فيه قبل السرقة بما يُوجب نقصانه عن مقدار النصاب، فهو وإنْ كان ملزماً بضمان ما أحدثه من نقصٍ في المال، ولكنَّه لا يستحقُّ القطع، لأنَّه حين سرق المال أي أخرجه من الحرز لم يكن بمقدار النصاب.

ومن ذلك يعلم أنَّه لو أخرج المال من الحِرز، وكان حين إخراجه له بمقدار النصاب ثم نقصت قيمته عن النصاب بعد الإخراج إمَّا بفعله أو بفعل غيره، فإنَّه يكون مستحقَّاً للقطع، وذلك لأنَّه حين أخرجه من الحرز كان بمقدار النصاب وإنَّما نقص عن مقدار النصاب بعد الإخراج، وموضوع القطع هو بلوغ المال مقدار النصاب حين الإخراج وهو متحقِّق في هذا الفرض.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

28 / رجب / 1447ه

18 / يناير / 2026


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص546.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص546.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص304.

4- النهاية ونكتها -المحقق الحلي- ج3 / ص332.