إذا سرق مالاً ثم ملكه أو ردَّه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا سرق أحدُهم مالاً من حرزٍ ثم ملكه بشراءٍ أو ميراثٍ أو هبة أو غيرها من النواقل الشرعيَّة فهل يسقط عنه الحدُّ بذلك؟
الجواب:
الظاهر أنَّه لم يختلف الفقهاء رضوان الله عليهم(1) في سقوط الحدِّ عن السارق إذا ملك المال المسروق قبل أنْ يُرفع أمرُه إلى الحاكم الشرعي، وأمَّا لو ملكه بعد رفع أمره إلى الحاكم الشرعي لم يسقط عنه الحد.
ويستدلُّ لذلك بموثقة سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "مَنْ أَخَذَ سَارِقاً فَعَفَا عَنْه فَذَاكَ لَه، فَإِنْ رُفِعَ إِلَى الإِمَامِ قَطَعَه، فَإِنْ قَالَ: الَّذِي سُرِقَ مِنْه أَنَا أَهَبُ لَه لَمْ يَدَعْه الإِمَامُ حَتَّى يَقْطَعَه إِذَا رُفِعَ إِلَيْه، وإِنَّمَا الْهِبَةُ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الإِمَامِ وذَلِكَ قَوْلُ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿والْحافِظُونَ لِحُدُودِ الله﴾ فَإِذَا انْتَهَى الْحَدُّ إِلَى الإِمَامِ فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَه"(2).
فمفاد الرواية أنَّ المسروق منه إذا وهب السارقَ المال قبل رفع أمره إلى الإمام سقط عنه بذلك الحدُّ، ومقتضاه سقوط الحد في فرض تملُّك السارق للمال المسروق قبل رفعه إلى الإمام، إذ لا خصوصية للتملك من طريق الهبة، فمتى ما تملك السارق المال بشراءٍ أو غيره لم يكن للمسروق منه الحقُّ في مرافعة السارق إلى الإمام لمطالبته بالمال، وذلك لفرض تملُّك السارق للمال. نعم لو تملَّكَ السارقُ المال بهبةٍ أو غيرها بعد المرافعة لم يكن للإمام درءُ الحدِّ عنه. كما هو مفاد الموثقة وكذلك غيرها كصحيحة الحلبي والتي اشتملت على الأمر بقطع يد السارق بعد المرافعة فقال المسروق منه: فَأَنَا أَهَبُه لَه فَقَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): "فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَه إِلَيَّ، قُلْتُ: فَالإِمَامُ بِمَنْزِلَتِه إِذَا رُفِعَ إِلَيْه قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وسَأَلْتُه عَنِ الْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الإِمَامِ فَقَالَ: حَسَنٌ"(3).
وإذا سرق أحدُهم مالاً ثم ردَّه:
وإذا سرق أحدُهم مالاً من حرز ثم ردَّه إلى حرزه فهل يسقطُ عنه الحدُّ؟
والجواب هو أنَّه إنْ لم يصدق عرفاً على ردِّه للحرز الردُّ إلى صاحب المال فلا يسقط الحدُّ عنه، وإنْ عدَّ عرفاً ردُّه للحرز من الردِّ لصاحب المال ففي سقوط الحدِّ عنه في هذا الفرض خلاف، فقد نُسب إلى الشيخ الطوسي في المبسوط والخلاف(4) البناءُ على عدم سقوط الحدِّ، وذلك لتحقُّق موضوع القطع، وهو سرقة المال من حرزٍ بعد هتكه، ولا دليل على السقوط، فإنَّ الذي قام الدليل في مورده على سقوط الحدِّ هو توبة السارق قبل رفع أمره للحاكم، وفيما عدا ذلك لا دليل على سقوط الحدِّ بعد افتراض تحقُّق الموضوع، فمقتضى إطلاق ما دلَّ على أنَّ من سرق مالاً من حِرزٍ بمقدار النصاب فعليه القطع هو استحقاقُ هذا السارقِ للحدِّ.
وفي المقابل ذهب بعض الأعلام إلى سقوط الحد في هذا الفرض وذلك لأنَّه مع افتراض ردِّ المال إلى صاحبه لم يكن لصاحب المال رفع الأمر إلى الحاكم للمطالبة بالمال، إذ ليس له ما يُطالب بردِّه بعد افتراض الردِّ، وحيث إنَّ إقامة الحدِّ منوطٌ بمطالبة المسروق منه كما هو مسلك المشهور(5) لذلك يسقط الحدُّ عن السارق لعدم إمكان المسروق منه المطالبة بالردِّ بعد افتراض تحقق الرد.
نعم بناءً على كفاية البينة الحسبيَّة على السرقة وعدم اناطة إقامة الحدِّ بمطالبة المسروق منه فإنَّ السارق يكون مستحقاً للقطع حتى مع فرض الردِّ للمال المسروق لصاحبه، إذا دليل حينئذٍ على السقوط، إذ أنَّ الردَّ لا يساوق التوبة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
29 / رجب / 1447ه
20 / يناير / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص553.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص251، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص39.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص251، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص39.
4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص553.
5- راجع: إناطة قطع السارق بمطالبة المسروق منه.