إذا ابتلع السارق مقدار النصاب
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا دخل السارق الحرز وابتلع مالاً بمقدار النصاب قبل أن يخرج فهل يستحقُّ بذلك الحدَّ؟
الجواب:
إن لهذه المسألة فروضاً متعدِّدة:
الفرض الأول: أن يكون ما ابتلعه ممَّا يُستهلك بالابتلاع كما لو تناول طعاماً أو شراباً ثم خرج، وفي مثل هذا الفرض لا يستحقُّ القطع لعدم تحقُّق موضوعه وهو إخراج مقدار النصاب من الحرز بعد هتكه. نعم يلزمه الضمان لمثل ما ابتلعه إن كان مثليَّاً أو قيمته إن كان قيمياً كما أنَّه يستحقُّ التعزير بما يراه الحاكم الشرعي.
الفرض الثاني: أن يكون ما ابتلعه ممَّا لا يُستهلك بالابتلاع ولكنَّه يتعذر خروجه أو إخراجه. وفي مثل هذا الفرض يكون ما ابتلعه بحكم التالف، ولهذا لا يجبُ عليه القطع، وذلك لعدم تحقُّق موضوعه وهو إخراج مقدار النصاب من الحِرز، فهو في مثل هذا الفرض لم يخرج شيئاً من الحرز وإنما أتلف مقدار النصاب داخل الحرز، ولهذا لا يلزمه سوى الضمان مضافاً للتعزير.
الفرض الثالث: أنْ يكون ما ابتلعه ممَّا يتعذَّر خروجه إلا أنَّه بعدما خرج من الحِرز اتفق خروج ما ابتلعه على غير العادة، وفي مثل هذا الفرض لا يجبُ القطع أيضاً، وذلك لأنَّه حين خرج من الحِرز كان ما ابتلعه بحكم التالف، لذلك لا يصدقُ على مثله أنَّه أخرج مقدار النصاب من الحِرز، ولهذا لا يجبُ عليه القطع، نعم يلزمه ردُّ عينِ ما ابتلعه إلى مالكه إلا أنْ يكون قد ضمن له مثله أو قيمته فهنا لا يجب عليه رد العين، إذ لا يُجمع عليه ضمان البدل وردُّ المُبدل منه.
الفرض الرابع: أنْ يكون ما ابتلعه ممَّا لا يتعذَّر عادةً خروجُه من الجوف كما لو ابتلع لؤلؤة أو قطعة نقدية بمقدار النصاب، وكان قصده من ابتلاعها سرقتها وإخراجها من الحِرز بهذه الوسيلة، وفي مثل هذا الفرض يجب عليه القطع، وذلك لتحقُّق موضوع القطع، إذ يصدق على مثله عرفاً أنَّه أخرج مقدار النصاب من الحِرز بعد هتكه.
الفرض الخامس: أنْ يكون ما ابتلعه ممَّا لا يتعذَّر عادة خروجه من الجوف إلا أنَّه لم يقصد من ابتلاعه سرقته وإخراجه من الحِرز بهذه الوسيلة وإنَّما قصد من ذلك إتلاف المال إلا أنَّه تبيَّن بعد خروجه أنَّه لم يتلف، وفي مثل هذا الفرض لا يجب القطع لأنَّه لم يقصد سرقته وإنَّما قصد إتلافه بحسب الفرض.
فهو وإن كان يصدق على مثله أنَّه أخرج مقدار النصاب من الحرز إلا أنَّ ذلك وحده لا يحقق موضوع القطع، فموضوع القطع هو سرقة مقدار النصاب، والسرقة لا تتحقَّق بمجرد الإخراج لمقدار النصاب، فلو أنَّ أحداً أخذ سبحة ثمينة في بيت زيد دون إذن وجعل يفحصها ويقلبها فغفل ووضعها كيسه وخرج فإنَّه يصدق على مثله أنَّه أخرج مقدار النصاب من حرزه ولكنَّه لا يعدُّ سارقاً لأنَّه لم يقصد بالإخراج السرقة، وكذلك لو فتح لطائرٍ باب القفص وقصد من ذلك تضييعه على مالكه فاختبأ الطائر في متاع هذا الرجل دون أن يعلم ثم أنَّه أخذ متاعه وخرج فإنَّه يصدق على مثله أنَّه أخرج مقدار النصاب لكنَّه لا يصدق عليه أنَّه سرقه، لأنَّه لم يقصد سرقته وإنَّما كان قد قصد إتلافه على مالكه، والمقام من هذا القبيل فهو حين ابتلع مقدار النصاب كان يقصد إتلافه وتضييعه على مالكه، وحين خرج كان معتقداً أنَّه قد أتلف المال بابتلاعه له لكنه تبين أنَّه لم يتلف فصدق على مثله أنَّه أخرج مقدار النصاب من حرزه ولكنَّه لا يصدق عليه أنَّه سرقه، لأنَّه لم يقصد سرقته. نعم هو متعدٍّ بما فعل لذلك فهو يستحقُّ التعزير.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
1 / شعبان / 1447ه
21 / يناير / 2026م