إلى أين يُنفى المحارب

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إلى أين يُنفى المحارب؟ وهل لذلك وقتٌ محدَّد؟ وما هي المدَّة التي يترك فيها المحارب مصلوباً إذا كانت عقوبته الصلب؟ 

الجواب:

المشهور بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بل أدُّعي الإجماع -كما في الجواهر(1)- على أنَّ المحارب يُنفى عن بلده ويُكتب إلى البلد الذي نُفي إليها بأنْ لا يُجالَس ولا يُؤاكل ولا يُشارب ولا يُبايَع ولا يُتصدَّق عليه.

ويمكن الاستدلال على ذلك بصحيحة حَنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَ:"لَا يُبَايَعُ ولَا يُؤْوَى ولَا يُتَصَدَّقُ عَلَيْه"(2).

ويُؤيدها ما رواه العياشي في (تفسيره) عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) في قوله: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه﴾ إلى قوله: - أو يصلبوا" الآية، قال: "لا يُبايع ولا يؤتى بطعام ولا يُتصدَّق عليه"(3).

ومقتضى إطلاق قوله: "لَا يُبَايَعُ ولَا يُؤْوَى ولَا يُتَصَدَّقُ عَلَيْه" هو استمرار الحكم إلى أنْ يموت، نعم ورد في رواية المدائني التحديد بسنةٍ واحدة، فقد أورد الكليني بسنده عن عُبَيْدِ اللَّه بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّه عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآيَةَ فَمَا الَّذِي إِذَا فَعَلَه اسْتَوْجَبَ وَاحِدَةً مِنْ هَذِه الأَرْبَعِ فَقَالَ: إِذَا حَارَبَ اللَّه ورَسُولَه.. قُلْتُ كَيْفَ يُنْفَى ومَا حَدُّ نَفْيِه؟ قَالَ: يُنْفَى مِنَ الْمِصْرِ الَّذِي فَعَلَ فِيه مَا فَعَلَ إِلَى مِصْرٍ غَيْرِه ويُكْتَبُ إِلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمِصْرِ أَنَّه مَنْفِيٌّ فَلَا تُجَالِسُوه ولَا تُبَايِعُوه ولَا تُنَاكِحُوه ولَا تُؤَاكِلُوه ولَا تُشَارِبُوه فَيُفْعَلُ ذَلِكَ بِه سَنَةً، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمِصْرِ إِلَى غَيْرِه كُتِبَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى تَتِمَّ السَّنَةُ قُلْتُ: فَإِنْ تَوَجَّه إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ لِيَدْخُلَهَا قَالَ: إِنْ تَوَجَّه إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ لِيَدْخُلَهَا قُوتِلَ أَهْلُهَا"(4).

ونحوها رواية عبيد الله بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) كما أفاد صاحب الوسائل - إلا أنه قال في آخره: "يفعل ذلك به سنة، فإنه سيتوب وهو صاغر قلتُ: فإن أمَّ أرضَ الشرك يدخلها؟ قال: يُقتل"(5).

فلو تمَّت هاتان الروايتان من حيث السند لكان مقتضاهما تحديد النفي بسنةٍ واحدة إلا أنَّهما غير تامتين من حيث السند، ولذلك يكون مقتضى إطلاق صحيحة حنَّان هو استمرار الحكم.

ثم إنَّ المراد من النفي هو استفزازه ومنعه من الاستقرار في أيِّ بلد، وذلك يمكن استظهاره من صحيحة حنَّان حيث أفادت أنَّه إذا نفي إلى بلد فإنَّه يُخاطب أهلُها بقطيعته وعدم التعامل معه بمختلف المعاملات، ومقتضى ذلك أنَّه لو خرج إلى بلد أخرى فإنَّه يُتخذ معه ذات الإجراء، ومؤدَّى ذلك هو منعه من الاستقرار في أيِّ بلدٍ من البلدان.

وأفاد السيِّد الخوئي(6) أنَّه يمكن الاستدلال على ذلك بظاهر الآية المباركة حيث اشتملت على قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾(7) فإنَّ الظاهر منها هو مطلق وجه الأرض، فاللام للاستغراق، ومقتضى ذلك هو منعه من الاستقرار في أيِّ مكان من بلاد الإسلام أو الشرك.

إلا أنَّه قد يُقال بأنَّ اللام هنا عهديَّة وليست للاستغراق، فمعنى الأمر بالنفي من الأرض هو الأرض التي حارب فيها، ولا أقلَّ من إجمال المراد من الأرض، وهل اللام فيها عهديَّة أو للاستغراق.

فالأولى هو الاستدلال بصحيحة حنَّان المقتضية للمنع من الاستقرار أبداً وهو ما يقتضى مخاطبة أيِّ بلدٍ يذهب إليها بالمنع من مخالطته والتعامل معه بمختلف أنحاء التعامل، ويؤيد ذلك ما ورد في روايتي المدائني وعبيد الله بن إسحاق، فإنَّهما صريحتان في منعه من الاستقرار في أيِّ بلد، نعم قيدت الروايتان ذلك بالسنة إلا أنَّه لمكان ضعفها لا يصلحان لتقييد إطلاق صحيحة حنَّان.

هذا وقد وردت روايتان يظهر منهما الحكم بالنفي لبلاد الشرك:

الأولى: معتبرة بكير بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: "كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا نفى أحداً من أهل الاسلام نفاهُ إلى أقرب بلدةٍ من أهل الشرك إلى الاسلام، فنظر في ذلك فكانت الديلم أقربَ أهل الشرك إلى الإسلام"(8).

الثانية: موثقة أبي بصير قال: سألتُه عن الإنفاء من الأرض كيف هو؟ قال: يُنفى من بلاد الاسلام كلِّها، فإنْ قُدر عليه في شيءٍ من أرضِ الاسلام قُتل، ولا أمان له حتى يلحقَ بأرض الشرك"(9).

إلا أنَّ الرواية الأولى لا ظهور لها في إرادة النفي للحرابة، على أنَّ الإطلاق غير مرادٍ منها، فإنَّ الزاني المحكوم بالنفي لا ينفى لبلاد الشرك بل نصًّت الروايات أنَّه ينفى من بلده إلى بلدٍ أخرى من بلاد الإسلام، وعلى أيِّ تقدير فالرواية لم يعمل بمضمونها أحدٌ من الفقهاء وهو ما يُوهن في حجيَّتها.

وأما الرواية الثانية فهي وإنْ كانت متصدية لبيان كيفيَّة نفي المحارب كما يظهر ذلك من السؤال عن النفي من الأرض إشارة إلى الآية إلا أنَّها ليست ظاهرة في أنَّ حكم المُحارب هو النفي لبلاد الشرك بل هي مناسبة لما أفاده المشهور من أنَّه يُستفزُّ ويمنع من الاستقرار في أيِّ بلدٍ من بلاد الإسلام، وأمَّا قوله (ع): "حتى يلحقَ بأرض الشرك" فمعناه أنَّه يُستفز ويمنع من الاستقرار في أيِّ بلد إلا أنْ يفوت وذلك بأنْ يلحق ببلاد الشرك فلا يكون لك عليه سبيل. فهي لا تأمر بأنْ ينفى لبلاد الشرك، وإنَّما تأمر بأنْ ينفى من بلدٍ إلى بلد إلا أنْ يفوت فيلجأ لبلاد الشرك التي لا سبيل لسلطان المسلمين عليها.

المصلوب لا يترك أكثر من ثلاثة أيام:

مسألة: إذا كانت عقوبة المحارب هي الصلب كما لو شهر السلاح وضرب وعقر وسلب المال فهل لبقائه مصلوباً وقتٌ محدَّد؟

الجواب: الظاهر أنَّه لم يقع خلاف بين الفقهاء في أنَّ المصلوب لا يُترك على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام وبعدها يتمُّ إنزاله وتغسيله وتكفينه ودفنه، وقد صرَّح الشيخ في الخلاف بإجماع فقهائنا على ذلك(10) خلافاً لما عليه العامَّة من عدم التحديد بهذه المدَّة.

ويمكن الاستدلال على ذلك بمعتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّه (ص): "لَا تَدَعُوا الْمَصْلُوبَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى يُنْزَلَ فَيُدْفَنَ"(11).

وكذلك معتبرة السكوني الأخرى السَّكُوني عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع): "صَلَبَ رَجُلاً بِالْحِيرَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَنْزَلَه يَوْمَ الرَّابِعِ فَصَلَّى عَلَيْه ودَفَنَه"(12).

ويؤيده ما أورده الصدوق في الفقيه قال: وقال الصادق (عليه السلام): "المصلوب يُنزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيام ويُغسل ويُدفن، ولا يجوز صلبُه أكثر من ثلاثة أيام"(13).

والظاهر من الثلاثة أيام هي ثلاث نهارات، وتدخل الليلتان المتوسطتان، فإذا صلب أول النهار لزم إنزاله عشيَّة اليوم الثالث، وأما معتبرة السكوني الثانية فلعلَّ إنزاله في اليوم الرابع هو أنَّه لم يُصلب أول النهار فصُلب ثلاثة أيام تلفيقية.

ثم إنَّه لا يظهر من الروايات لزوم تركه مصلوباً ثلاثة أيام بل الظاهر منها أنَّه لا يسوغ تركه أكثر من ثلاثة أيام إلا أنَّه لا مانع من إنزاله بعد يومين أو أقل. فالثلاثة أيَّام هي أقصى المدَّة التي يسوغ فيها تركُه مصلوباً.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

6 / شعبان / 1447ه

26 / يناير / 2026م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص592.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص246، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص316.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص318.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص247، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص316.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص317.

6- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص389، ج41 / ص391.

7- سورة المائدة / 33.

8- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص36، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص124. 

9- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص37، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص318.

10- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص590.

11- الكافي -الكليني- ج7 / ص246، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص319. 

12- الكافي -الكليني- ج7 / ص298، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص319.

13- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص68، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص319.