الفرق بين الحدود والتعزيرات

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هو الفرق بين الحدود والتعزيرات؟ ومتى يكون المكلَّفُ مستحقاً للتعزير؟

الجواب:

المراد من الحدود الشرعيَّة في الاصطلاح الفقهي هي عقوبات بدنيَّة محدَّدة ومقدَّرة شرعاً لمعاصٍ معيَّنة وهي الزنا ولواحقه، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر وسائر المسكرات، وقطع الطريق.

وأمَّا التعزيرات فهي العقوبات غير المقدَّرة شرعاً -غالباً- على مطلق المعاصي الكبيرة، فكلُّ عقوبة لواحدة من كبائر الذنوب أُنيط تقديرها بالحاكم الشرعي تُسمَّى في الاصطلاح الفقهي تعزيراً. ويُستثنى من ذلك بعض الموارد التي تمَّ فيها تقدير العقوبة شرعاً ورغم ذلك تُصنف العقوبة فيها -فقهيَّاً- ضمن التعزيرات. فمِن ذلك العقوبة المفروضة على مَن جامع زوجته في نهار شهر رمضان فإنَّه قد تمَّ تقديرها بخمسة وعشرين سوطاً(1) ومن ذلك أيضاً العقوبة المفروضة على مَن تزوج بذميَّة على زوجته المسلمة دون إذنها ودخل بها فإنَّه يضرب اثنا عشر سوطاً ونصف السوط (2) ففي هذين الموردين تمَّ تقدير العقوبة شرعاً ورغم ذلك تصنَّف العقوبة فيهما ضمن التعزيرات.

المقدار الذي لا يتجاوزه التعزير:

ثم إنَّه وقع البحث في مقدار ما للحاكم الشرعي تقديره من العقوبة في موارد التعزيرات، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في ذلك فأفاد المحقق الحلي في الشرائع(3) أنَّ له تقدير ما يراه من العقوبة على أنْ لا يبلغ بها الحدَّ المفروض على الحرِّ لو كان الجاني حرَّا وعلى أنْ لا يبلغ بها الحد المفروض على العبد لو كان الجاني عبداً، وذهب بعضهم -كما أفاد صاحب الجواهر(4)- هو أنَّ للحاكم الشرعي تقدير العقوبة بما لا يبلغُ أقلَّ الحدود الشرعيَّة وهو حدُّ القيادة والذي هو خمس وسبعون سوطاً للحرِّ وأربعون للعبد، ونُسب إلى بعضهم القول بأنَّ على الحاكم الشرعي ملاحظة ما يُناسب نوع المعصية المقترفة، فإذا كانت مناسبة لمثل الزنا فإنَّ للحاكم تقدير العقوبة بما لا يبلغ حدَّ الزنا، وهي المائة سوط، وإذا كانت المعصية مناسبة للقذف أو شرب الخمر فإنَّ له أنْ يقدِّر العقوبة بما يبلغ بها حدَّ القذف، وهي ثمانون سوطاً، وإذا لم يكن للمعصية المجترحة ما يناسبها من موجبات الحدود فإنَّ للحاكم تقدير العقوبة بما لا يبلغ بها أقلَّ الحدود وهو حدُّ القيادة والذي هو خمسة وسبعون سوطاً.

هذا وقد أفاد السيد الخوئي(5) أنَّ الصحيح هو أنَّه يتعيَّن في تقدير العقوبة في موارد التعزير أنْ لا يتم التجاوز بها أقلَّ الحدود الشرعية المفروضة على الأعم من الحرِّ والعبد وهي الأربعون سوطاً، فالمتعيَّن هو أنْ لا تبلغ العقوبة في موارد التعزير أربعين سوطاً.

والمستند في ذلك هو صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلتُ له: كم التعزير؟ فقال: دون الحدِّ، قال: قلتُ: دون ثمانين؟ قال: لا، ولكن دون أربعين فإنَّها حدُّ المملوك، قلتُ: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنبِ الرجل وقوَّةِ بدنِه"(6) فمقتضى هذه الصحيحة هو أن لا يبلغ مقدار التعزير أربعين سوطاً حتى لو كان الجاني حرَّاً.

إلا أنَّه في مقابل ذلك ورد في صحيحة إسحاق بن عمار ما قد يظهرُ منه المنافاة لصحيحة حماد، فقد روى الكليني بسندٍ صحيح عن إسحاق بن عمار قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ التَّعْزِيرِ كَمْ هُوَ؟ قَالَ: "بِضْعَةَ عَشَرَ سَوْطاً مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ"(7) ورواه الشيخ في التهذيب بسندٍ معتبر عن عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن التعزير كم هو؟ قال: "بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين"(8).

إلا أنَّه يتعين -كما أفاد السيد الخوئي(9)- حملها على إرادة التمثيل، وذلك لصراحة صحيحة حماد في جواز التعزير بما يزيد على العشرين على أنْ لا يصل إلى الأربعين سوطاً، ومع البناء على استحكام التعارض يكون الترجيح لصحيحة حمَّاد، وذلك لاعتضادها بإطلاقات أدلَّة التعزير والتي مفادها أنَّ للحاكم الشرعي التعزير بما يراه على أنْ لا يبلغ به مقدار الحدِّ الشرعي. هذا مضافاً إلى أنَّ الظاهر هو إعراض المشهور عن العمل بظاهر صحيحة إسحاق إمَّا لأنهم لم يستظهروا منها إرادة التعيين للعقوبة بما لا يتجاوز العشرين، أو لأنَّها فاقدة للاعتبار بنظرهم فليكن ذلك مؤيداً.

متى يكون المكلَّف مستحقاً للتعزير:

وأمَّا متى يكون المكلَّف مستحقاً للتعزير فالمشهور أنَّه يكون مستحقاً للتعزير إذا ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب أو ترك فريضة من فرائض الإسلام بحيث يعدُّ تركها من الكبائر، وأفاد صاحب الجواهر أنَّه لا خلاف ولا إشكال في ذلك نصَّاً وفتوى(10). 

ويدلُّ عليه مثل موثقة سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدّاً، ومَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ كَانَ لَه حَدٌّ"(11) والروايات بما يقرب من هذا اللسان لعلَّها مستفيضة، والواضح من قوله (ع): "ومَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ كَانَ لَه حَدٌّ" هو إرادة الأعمِّ من الحدود الشرعية المصطلحة، إذ لا ريب في اختصاص الحدود المقدَّرة في موارد خاصة، فلو كانت هي المراد مِن الحدِّ في الرواية للزم تخصيص الأكثر، فالظاهر من قوله (ع): "ومَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ كَانَ لَه حَدٌّ" هو أنَّ من تجاوز شيئاً ممَّا أمر الله تعالى به أو نهى عنه كان مستحقاً لما يحدُّه ويمنعه من التجاوز وهي العقوبة.

ويُؤيِّد ذلك استقراء الموارد المختلفة الكثيرة التي تصدَّت فيها الروايات إلى بيان أنَّ على هذه المعصية أو تلك تأديباً والموارد التي نصَّت على تصدِّي الإمام أمير المؤمنين (ع) لمعاقبة مقترفي بعض الذنوب والجنايات التي ليست لها حدود مقدرة. هذا مضافاً إلى أنَّ مقتضى اهتمام الإسلام الأكيد والشديد بحفظ النظام الاجتماعي والمعنوي هو مشروعية جعل العقوبات لضمان عدم التجاوز.

ثم إنَّ الأوامر والنواهي المُلزِمة أشبهُ شيءٍ بالقوانين، ومقتضاها عقلائياً فرضُ عقوباتٍ على تجاوزها حرصاً على الالتزام بها وإلا كانت في مَعرض التجاوز، فعدمُ فرض العقوبات على تجاوز الأوامر والنواهي المُلزِمة يُفضي إلى تفويت المشرِّع لملاكاتها من المصالح والمفاسد الشديدة الكامنة في متعلَّقاتها، وهو ما يُنافي فرض اهتمام المشرِّع الأكيد بها وتعلُّق إرادته الشديدة بتحقيقها خارجاً.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

15 / شعبان / 1447ه

4 / فبراير / 2026م

 


1- رواية الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع فِي رَجُلٍ أَتَى امْرَأَتَه وهُوَ صَائِمٌ وهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ إِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَعَلَيْه كَفَّارَتَانِ وإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْه فَعَلَيْه كَفَّارَةٌ وعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ وإِنْ كَانَ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْه ضَرْبُ خَمْسِينَ سَوْطاً نِصْفِ الْحَدِّ وإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْه ضُرِبَ خَمْسَةً وعِشْرِينَ سَوْطاً وضُرِبَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ سَوْطاً" الكافي -الكليني- ج4 / ص103، وسائل الشيعة -الحر العملي- ج10 / ص56.

2- معتبرة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (ع): في رجلٍ تزوَّج ذميَّةً على مسلمة قال (ع): "يُفرَّق بينهما ويُضرب ثُمْن حدِّ الزاني اثنا عشر سوطًا ونصفًا، فإنْ رضيتْ المسلمة ضُرب ثُمن الحدِّ ولم يُفرَّق بينهما "قلتُ: كيف يُضرب النصف؟ قال (ع): "يُؤخذ السوط بالنصف فيُضرب به" وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج20 / ص544.

3- شرائع الإسلام -المحقق الحلِّي- ج4 / ص948.

4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص448.

5- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج42/  408

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص375.

7- الكافي -الكليني- ج7 / ص240

8- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص144، ج28 / ص375.

9- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج41 / ص408. 

10- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص448.

11- الكافي -الكليني- ج7 / ص175، ج28 / ص17.