ما يُعزَّر به فاعل الازالة للبكارة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم مَن اعتدى أو عبث ببكرٍ فأزال بكارتها بيده أو نحوها؟
الجواب:
من افتضَّ بكراً بيده أو بأيِّ أداةٍ أخرى لزمه مهرُ أمثالها، ويتعيَّن على الحاكم الشرعي تعزيره بالجلد سواءً كان الفاعل لذلك رجلاً أو امرأة، وهذا المقدار لم يقع مورداً للخلاف بين الفقهاء -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- نعم وقع الخلاف بينهم في مقدار ما للحاكم تعزيره به فالمنسوب -كما في الجواهر(2)- للشيخ المفيد والديلمي أنَّ عليه تعزيره بما لا يزيد على الثمانين سوطاً ولا يقلُّ عن الثلاثين، ونُسب إلى الشيخ الطوسي أنَّ للحاكم تعزيره ما بين الثلاثين إلى سبعة وتسعين، وعن ابن إدريس إلى تسعة وتسعين، ونَسب صاحب الجواهر إلى الأكثر القول بأنَّ للحاكم الشرعي تعزيره بما يراه دون أن يكون لذلك تقديرٌ من جهة القلَّة أو الكثرة، وهو ما قوَّاه صاحب الجواهر(3).
والمستند فيما ذهب إليه الفقهاء من الحكم بضمان المهر واستحقاق التعزير هو صحيحة عبد الله بن سنان -وغيره- عن أبي عبد الله (عليه السلام) "في امرأةٍ اقتضت جاريةً بيدها؟ قال: "عليها المهر، وتُضرب الحدَّ"(4).
وكذلك صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ الأخرى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي امْرَأَةٍ افْتَضَّتْ جَارِيَةً بِيَدِهَا؟ قَالَ: "عَلَيْهَا مَهْرُهَا، وتُجْلَدُ ثَمَانِين"(5).
والظاهر من قوله في الصحيحة الأولى: "وتُضرب الحدَّ" هو إرادة التعزير لوضوح أنَّ المورد ليس من الموارد المُوجبة للحدِّ الشرعي بالمعنى الاصطلاحي، وقد استُعمل عنوان الحدِّ في العديد من الروايات بمعنى مطلق العقوبة والتعزير. وأمَّا التحديد بالثمانين في الصحيحة الثانية فهو محمولٌ على أنَّ الإمام (ع) بصدد البيان لمقدارٍ من المقادير التي للحاكم الشرعي اختيارها، إذ أنَّ ذلك هو مقتضى اعتبار المورد من الموارد المُوجبة للتعزيز والذي هو عقوبةٌ غير مقدَّرة شرعاً، ويُؤيد ذلك ما ورد في الجعفريات بسنده عن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام): "أنَّه رُفع إليه جاريتان دخلتا الحمام، فاقتضت إحداهما صاحبتها الأخرى بإصبعها، فقضى على التي فعلت عقرها، ونالها بشيءٍ من الضرب"(6).
وكذلك ما رواه في دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "أنه قضى في امرأةٍ اقتضتْ جاريةً بيدها، قال: "عليها مهرُها، وتُوجعُ عقوبةً"(7).
وبذلك يتَّضح منشأ ما أفتى به المشهور من أنَّ تقدير ما يُعزَّر به فاعل الازالة للبكارة يرجع للحاكم الشرعي، فلا تقدير لذلك من حيث القلَّة والكثرة، إذ أنَّ الثمانين المذكورة في صحيحة عبد الله بن سنان لم يكن المقصود منها سوى البيان لمقدارٍ من المقادير التي يكون للحاكم الشرعي اختياره.
إلا أنَّ ذلك خلاف الظاهر من الرواية فإنَّ المستظهَر منها أنَّ الثمانين سوطاً هو مقدار التعزير المتعيَّن إيقاعه على فاعل الإزالة للبكارة، ولا يضرُّ بظهور الرواية في تعيُّن هذا المقدار أنَّ المورد ليس من الموارد الموجبة للحدِّ، إذ قد يكون التعزير مقدَّراً شرعاً كما في العديد من الموارد.
وأمَّا ما أفاده صاحبُ الجواهر(8) من أنَّه لا قائل بالتحديد بالثمانين فهو لا يضرُّ بحجيَّة الرواية بعد احتمال أنْ يكون منشأ عدم بنائهم على التحديد بالثمانين هو استظهارهم إرادة البيان لواحدٍ من المقادير التي للحاكم اختيارها، فعدمُ القول بتعيٌّن الثمانين لا يدلُّ على إعراض المشهور عن الرواية.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
18 / شعبان / 1447ه
7 / فبراير / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص370.
2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص371.
3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص371.
4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص47، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص144.
5- الكافي -الكلينى- ج7 / ص203، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص144.
6- مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص70.
7- مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص70.
8- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج41 / ص371.