مقاتلة اللصِّ المُقتحِم للدار
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
لو اقتحم لصٌّ دار أحدٍ فهل له محاربته وقتله دفاعاً عن نفسه أو عرضه أو ماله؟ وهل يترتَّب على قتله القصاص أو الدية؟
الجواب:
إذا اقتحم اللصُّ على أحدٍ دارَه يريدُه أو يريدُ أهلَه أو مالَه جاز له قتاله، ودمُه مهدور لو اتَّفق أنْ قُتل أو جُرح، وإذا لم يُمكن دفعُه إلا بقتلِه جاز قتلُه عمداً، ودمُه مهدور، ليس عليه في ذلك قصاصٌ ولا دية، وقد نصَّت على ذلك رواياتُ عديدة عن أهل البيت (ع):
منها: معتبرة السكوني عن الإمام جعفرٍ عن أبيه (عليهما السلام) قال: "إنَّ الله ليمقتُ العبدَ يُدخلُ عليه في بيته فلا يُقاتل"(1).
أقول: فهذه الرواية صريحةٌ في جواز مقاتلة اللصِّ المقتحِم للدار عدواناً بل هي صريحةٌ في رجحان مقاتلته، ويدلُّ جواز مقاتلتِه على أنَّ دمَه مهدور لو اتَّفق أنْ قُتل أو أُصيب في بعض أطرافه بجراح أو بترٍ أو عطب، فإنَّ ذلك هو اللازم البيِّن لجواز قتاله.
ومنها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): "إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ اللِّصُّ الْمُحَارِبُ فَاقْتُلْه، فَمَا أَصَابَكَ فَدَمُه فِي عُنُقِي"(2).
أقول: الأمر بالقتل ظاهر في الجواز وليس الوجوب، وذلك لاكتناف الأمر بتوهُّم الحظر، وجواز تعمُّد القتل محمولٌ على فرض عدم إمكان دفعه إلا بالقتل، لوضوح أنَّ جواز مقاتلته إنَّما هو لدفعه عن نفسِه أو أهله أو ماله، فإذا أمكن دفعه بما دون القتل لم يكن القتلُ سائغاً، ولهذا لو ضربه بما يُعطله لم يجز له بعد ذلك ضربه، لأنَّه يكون من التعدِّي المضمون . وذلك لانتفاء موضوع القتال وهو الدفع عن النفس والأهل والمال.
ومنها: معتبرة غياث بن إبراهيم عن الإمام جعفرٍ عن أبيه عليه السلام قال: "إذا دخل عليك اللصُّ يُريد أهلك ومالك فإنْ استطعتَ أنْ تبدره وتضربه فابدرْه واضربْه وقال: اللُّصُّ محاربٌ لله ورسوله فاقتلْه، فما مسَّك منه فهو عليَّ"(3).
أقول: الأمر بمبادرته بالضرب صريحٌ في جواز قتالِه وإنْ استلزم القتل، وأمَّا الأمر بقتله فمحمول على فرض عدم إمكان دفعِه بغير القتل.
والمتحصَّل من مثل هذه الروايات هو جواز مقاتلة اللُّصِّ المقتحم للدار لغرض التعدِّي على صاحب الدار أو التعدِّي على أهلِه أو مالِه، وكذلك تدلَّ هذه الروايات على أنَّه لا يترتَّب على قتلِه اتِّفاقاً قصاصٌ ولا دية، وكذلك تدلُّ هذه الروايات على جواز تعمُّد قتله إذا لم يُمكن دفعُه عن النفس والأهل والمال إلا بقتله.
لو علم صاحبُ الدار أنَّ اللصَّ لا يُريد سوى المال:
ثم إنَّه لو علم صاحبُ الدار أنَّ اللصَّ لا يُريد سوى المال ففي مثل هذا الفرض يجوز له قتالُه كما يجوز له الكفُّ عن قتالِه وتمكينه من أخذ المال كما نصَّت على ذلك صحيحة الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ دُونَ مَالِه؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص) مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِه فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهِيدِ قُلْتُ: أيُقَاتِلُ أَفْضَلُ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ قَالَ: أَمَّا أَنَا لَوْ كُنْتُ لَمْ أُقَاتِلْ وتَرَكْتُه"(4).
وكذلك صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: "قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): "مَن قُتل دون ماله فهو شهيدٌ، قال: وقال: لو كنتُ أنا لتركتُ المال ولم أُقاتل"(5).
فالروايتان صريحتان في جواز القتال للدفع عن المال كما تدلان بالملازمة على أنَّه لو اتَّفق جرحُ اللصِّ أو قتله فإنَّ دمَه يكون هدراً، وكذلك تدلَّان على جواز الكفِّ عن قتاله وتمكينه من أخذ المال. فجواز القتال للدفع عن المال بمقتضى هاتين الصحيحتين رخصةٌ وليس واجباً. لكنَّه لو اختار القتال فقُتل في سبيل ذلك كان مأجوراً وكان له أجرُ الشهيد، ولا يبعد أنَّ اختيار عدم القتال هو الأفضل كما هو الظاهر من الروايتين، فيترك إيقاعَ العقوبة على اللصِّ للقاضي.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
21 / شعبان / 1447ه
10 / فبراير / 2026م
1- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج6 / ص157، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج15 / ص119.
2- الكافي -الكليني- ج5 / ص51، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج11 / ص426.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص136، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج15 / ص119.
4- الكافي -الكليني- ج5 / ص52، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج15 / ص122.
5- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص95، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج28 / ص383.