وقوع الحدث الأصغر أثناء غسل الجنابة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هو حكم مَن أحدث بالأصغر أثناء أدائه لغسل الجنابة؟

الجواب:

اختلف الفقهاء في حكم مَن أحدث أثناء غسل الجنابة بالحدث الأصغر على أقوالٍ ثلاثة:

الأول: هو أنَّ الحدث بالأصغر لا يضرُّ بصحة ما جاء به، فالوظيفة هي إتمام الغسل ولا شيء عليه، نُسب هذا القول -كما في الحدائق(1)- لابن البراج وابن إدريس وآخرين متأخِّري المتأخرين.

الثاني: هو أنَّه يتمُّ الغسل ويضمُّ إليه الوضوء نُسب هذا القول -كما في الحدائق(2)- للسيد المرتضى والمحقق والفاضل الأردبيلي وتلميذه السيد في المدارك وجده الشهيد الثاني وآخرين.

الثالث: هو لزوم استئناف الغُسل وعدم الاعتداد بما جاء به، نُسب هذا القول -كما أفاد صاحب الحدائق(3)- إلى الشيخ الطوسي في النهاية والمبسوط ونُسب كذلك إلى ابن بابويه، والعلامة في جملةٍ من كتبه، والشهيد في الدروس والذكرى. وأفاد المحقِّق النراقي في المستند أنَّ المحقق الثاني نسب في شرح الألفية هذا القول إلى الشهرة(4).

مستند القول الأول:

ومستند القول الأول هو عدم الدليل على انتقاض الغسل بالحدث الأصغر في أثنائه بل إنَّ الروايات المتصديَّة لبيان كيفيَّة الغسل صالحة بمقتضى إطلاقها لنفي انتقاض الغسل بالحدث الأصغر في أثنائه وذلك لسكوتها -رغم أنَّها في مقام البيان- عن اعتبار ذلك شرطاً في صحَّة الغسل، فليس في الروايات ما يدلُّ على اعتبار عدم الحدث الأصغر في الأثناء شرطاً في صحَّة الغسل أو قل ليس في الروايات ما يدلُّ على أنَّ الحدث الأصغر في الأثناء ناقض للغسل.

وعليه يصحُّ التمسُّك بإطلاق ما دلَّ على أنَّ غسل الجنابة ليس قبله ولا بعده وضوء(5) وأنَّه يجزي عن الوضوء، فحيث لم يقم دليلٌ على انتقاض الغسل بالحدث الأصغر في أثنائه، وقد جاء المكلَّف -بحسب الفرض- بغسل الجنابة لذلك يصحُّ له الدخول في الصلاة دون وضوء لقيام الدليل على أنَّ غسل الجنابة يجزي عن الوضوء وأنَّه ليس قبله ولا بعده وضوء.

مستند القول الثاني:

وأمَّا القول الثاني وهو صحَّة الغسل وعدم انتقاضه بالحدث الأصغر في أثنائه مع البناء على لزوم ضمِّ الوضوء إليه إذا أراد الدخول في الصلاة فمستندُه هو ذاته المستند للقول الأول وهو عدم الدليل على انتقاض الغسل بالحدث الأصغر في أثنائه.

وما قد يُقال إنَّ الحدث الأصغر لو وقع بعد الغسل فإنَّه ينقض الغسل فكيف لا ينقضه إذا وقع في أثنائه؟

فإنَّه يُقال إنَّ الحدث بالأصغر بعد الغسل لا ينقض الغسل فقد وقع صحيحاً وارتفع به حدثُ الجنابة دون ريب، لذلك لا تجبُ إعادته، نعم وقوع الحدث الأصغر بعد الغسل يمنع من دخول الصلاة أو الدخول فيما يُعتبر فيه الطهارة من الحدث الأصغر كالطواف، وأمَّا ما يُعتبر فيه الطهارة من الجنابة كالمكث في المساجد فإنَّ وقوع الحدث الأصغر بعد الغسل لا يمنع منه، وذلك لصحَّة الغسل وعدم انتقاضه بالحدث الأصغر.

وأمَّا البناء على لزوم ضمِّ الوضوء إليه فمستندُه هو إطلاق ما دلَّ على أنَّ الحدث الأصغر سببٌ للوضوء مثل إنْ بلت فتوضأ وإن نمت فتوضأ(6) فإنَّ مفاد مثل هذه الإطلاقات هو أنَّ حدث البول -مثلاً- موجب للوضوء مطلقاً، نعم خرجنا عمَّا يقتضيه الإطلاق في فرضٍ واحد وهو ما لو وقع الحدث الأصغر قبل غسل الجنابة، وذلك لما دلَّ على إجزاء غسل الجنابة عن الوضوء وأنَّه ليس قبله ولا بعده وضوء، وبذلك يبقى إطلاق ما دلَّ على سببية الحدث الأصغر للوضوء محكماً فيما عدا هذا المورد والذي منه ما لو قع الحدث الأصغر في الأثناء. فمقتضى الإطلاقات هو أنَّ الحدث موجب للوضوء وشرطٌ في صحَّة الصلاة سواءً وقع هذا الحدث قبل غسل الجنابة أو بعده أو في أثنائه، وخرجنا عن هذه الإطلاقات في فرض واحدٍ وهو ما لو وقع الحدث قبل غسل الجنابة، فيبقى ما عدا هذا الفرض ومنه الحدث في الأثناء داخلاً تحت إطلاق ما دلَّ على سببيَّة الحدث الأصغر للوضوء، وأنَّه شرطٌ في صحَّة الصلاة.

مستند القول الثالث:

وأمَّا القول الثالث وهو بطلان الغُسل بوقوع الحدث الأصغر في أثنائه ولزوم استئنافه من رأس فمستندُه بحسب ما أفاده السيد الخوئي(7) هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..﴾(8) ومفاد الآية المباركة هو أنَّ المكلَّف الذي قام إلى الصلاة من النوم أو من مطلق الحدث إمَّا أن يكون مُجنباً أو يكون غير مجنب ولا يخلو حاله من أحد هذين الفرضين، وقد تصدَّت الآية لبيان أنَّ وظيفة الجُنُب هو الغسل ووظيفة غير الجنب هو الوضوء، وحيث إنَّ المكلف الذي أحدث في أثناء الغسل ما زال مُجنباً لوضوح أنَّ محرَّمات الجنب ما زالت ثابتة في حقِّه فهو إذن بعد الحدث يكون قام إلى الصلاة من الحدث، لذلك فهو مُخاطب بالغسل بعد الحدث الأصغر وظاهر الأمر بالغسل هو الأمر بإيجاد الغُسل بتمامه وليس الأمر بإتمامه، وهو ما يكشف عن أنَّ الحدث الذي وقع منه في أثنائه ناقض لما كان قد جاء به.

مناقشة ما أفاده السيد الخوئي:

إلا أنَّ الظاهر هو عدم تمامية هذا الوجه، فإنَّ المُجنب بعد وقوع الحدث منه أثناء الغسل لم يطرأ عليه عنوانٌ آخر بل يظلُّ مجنباً، ولهذا لا مُوجب لمخاطبته باستئناف الغسل.

فالآية كما أفاد السيد قد صنَّفت مَن القائم للصلاة إلى مجنب وغير مجنب وأفادت أنَّ وظيفة المُجنب هو الغسل، والمفترض أنَّه بصدد الأداء لهذه الوظيفة، ووقوعُ الحدث منه في أثناء أدائها لم ينفِ عنه صفة المجنب، ولهذا فموضوع الأمر الأول بالغسل باقٍ على حاله، فليس في البين موضوعٌ جديد ليُخاطب بأمرٍ جديد بالغسل، فالأمر بالغسل وإنْ كان ظاهراً في الأمر بإيجاد الغسل بتمامه لا إتمامه إلا أنَّ ذلك لا يقتضي استئناف الغسل لأنَّ من أحدث في أثناء الغسل وأكمل غسله يكون ممن أوجد الغسل بتمامه، وذلك لأنَّ وقوع الحدث الأصغر في أثناء الغسل لا يُوجب انعدام الموضوع الأول وتجدُّد موضوعٍ آخر للأمر بالغسل.

وعليه فالصحيح أنَّ الآية تدلُّ على تمامية القول الأول وهو أنَّ الحدث الأصغر أثناء الغسل لا يضرُّ بصحة ما جاء به من الغسل وأنَّه ليس عليه سوى إكماله، فليس عليه استئناف الغسل كما أنَّه ليس عليه أنْ يضمَّ إليه الوضوء، وذلك لأنَّ الآية قد صنَّفت القائم للصلاة إلى صنفين المُجنب وغير المجنب واعتبرت وظيفة المُجنب هي الغسل محضاً، وحيثُ إنَّ المحدث بالأصغر أثناء الغسل ليس من صنف غير المجنب -كما هو واضح- لذلك فهو ليس مُخاطباً بالوضوء، وحيث إنَّ المجنب المحدث بالأصغر أثناء الغسل لم يطرأ عليه عنوانٌ آخر لذلك يصحُّ له البناء على ما جاء به في مقام الامتثال للأمر بالغسل.

نعم الأحوط لمثلِه أنْ يضمَّ إلى الغسل الوضوء لاحتمال أنَّ إجزاء غسل الجنابة عن الوضوء مختصٌ بفرض وقوع الحدث قبل الغسل دون أثنائه.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

15 / شوال / 1447ه

4 / أبريل / 2026م


1-الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج3 / ص129.

2- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج3 / ص129.

3- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج3 / ص129.

4- مستند الشيعة -النراقي- ج2 / ص353.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص230.

6- وسائل الشيعة -الحر العاملي- أبواب نواقض الوضوء ج1 / ص 245.

7- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج7 / ص21.

8- سورة المائدة / 6.