أمسكه أحدُهما وقتلَه الآخر

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هي العقوبة المقرَّرة شرعاً على رجلين تآزرا على قتل رجلٍ فأمسكه أحدُهما وتولَّى الآخر قتله؟

الجواب:

أفاد صاحبُ الجواهر رحمه الله تعالى أنَّه لم يقع خلافُ بين الفقهاء أنَّ حكم القاتل هو القصاص، لأنَّه المباشر للقتل، وأما حكم المُمسك فهو الحبس المؤبَّد، ونَسب للشيخ الطوسي في الخلاف والسيِّد ابن زهرة في الغنية الإجماع على التفصيل المذكور(1).

والمستند في ذلك هو ما أفادته الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) والتي وصفت بالمستفيضة:

منها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي رَجُلَيْنِ أَمْسَكَ أَحَدُهُمَا وقَتَلَ الآخَرُ قَالَ: يُقْتَلُ الْقَاتِلُ ويُحْبَسُ الآخَرُ حَتَّى يَمُوتَ غَمّاً كَمَا كَانَ حَبَسَه عَلَيْه حَتَّى مَاتَ غَمّاً"(2) والواضح من الرواية أنَّ الحبس المؤبَّد للمُمسك يمتدُّ إلى حين موته.

ومنها: موثقة سَمَاعَةَ قَالَ: قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي رَجُلٍ شَدَّ عَلَى رَجُلٍ لِيَقْتُلَه والرَّجُلُ فَارٌّ مِنْه فَاسْتَقْبَلَه رَجُلٌ آخَرُ فَأَمْسَكَه عَلَيْه حَتَّى جَاءَ الرَّجُلُ فَقَتَلَه فَقَتَلَ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَه، وقَضَى عَلَى الآخَرِ الَّذِي أَمْسَكَه عَلَيْه أَنْ يُطْرَحَ فِي السِّجْنِ أَبَداً حَتَّى يَمُوتَ فِيه لأَنَّه أَمْسَكَه عَلَى الْمَوْتِ"(3).

ومنها: معتبرة عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ قَالَ: كُنْتُ شَاهِداً عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ ورَجُلٌ يُنَادِي بِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وهُوَ يَطُوفُ ويَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ طَرَقَا أَخِي لَيْلاً فَأَخْرَجَاه مِنْ مَنْزِلِه فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ واللَّه مَا أَدْرِي مَا صَنَعَا بِه فَقَالَ لَهُمَا: مَا صَنَعْتُمَا بِه فَقَالا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَلَّمْنَاه فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِه .. فَقَالَ لأَبِي عَبْدِ اللَّه جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) .. اقْضِ بَيْنَهُمْ .. فَقَالَ (ع): مَا تَقُولُ قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه إِنَّ هَذَيْنِ طَرَقَا أَخِي لَيْلاً فَأَخْرَجَاه مِنْ مَنْزِلِه فَوَاللَّه مَا رَجَعَ إِلَيَّ ووَاللَّه مَا أَدْرِي مَا صَنَعَا بِه فَقَالَ: مَا تَقُولَانِ؟ فَقَالا: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه كَلَّمْنَاه ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِه فَقَالَ جَعْفَرٌ (ع) يَا غُلَامُ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص) كُلُّ مَنْ طَرَقَ رَجُلاً بِاللَّيْلِ فَأَخْرَجَه مِنْ مَنْزِلِه فَهُوَ لَه ضَامِنٌ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّه قَدْ رَدَّه إِلَى مَنْزِلِه، يَا غُلَامُ نَحِّ هَذَا فَاضْرِبْ عُنُقَه، فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه واللَّه مَا أَنَا قَتَلْتُه ولَكِنِّي أَمْسَكْتُه، ثُمَّ جَاءَ هَذَا فَوَجَأَه فَقَتَلَه، فَقَالَ: أَنَا ابْنُ رَسُولِ اللَّه، يَا غُلَامُ نَحِّ هَذَا، واضْرِبْ عُنُقَ الآخَرِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه، واللَّه مَا عَذَّبْتُه ولَكِنِّي قَتَلْتُه بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَمَرَ أَخَاه فَضَرَبَ عُنُقَه، ثُمَّ أَمَرَ بِالآخَرِ فَضَرَبَ جَنْبَيْه وحَبَسَه فِي السِّجْنِ، ووَقَّعَ عَلَى رَأْسِه يُحْبَسُ عُمُرَه ويُضْرَبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ خَمْسِينَ جَلْدَةً"(4).

أقول: نصَّت هذه الرواية على معاقبة المُمسك بعقوبةٍ أخرى مضافاً لعقوبة الحبس المؤبَّد، وهي أنْ يُضربَ جنبيه ثم يُضرب في كلِّ سنةٍ خمسين جلدة. واحتمل بعض الأعلام أنَّ إضافة الضرب كانت في مقابل اخراجهما الرجل ليلاً من منزله. إلا أنَّ ذلك خلاف الظاهر، إذ لو كان الضرب في مقابل الإخراج للرجل ليلاً لأمر بضرب القاتل أيضاً قبل القصاص منه.

واحتمل أنَّ الضرب كان حكماً قضائياً ليس مطَّرداً، وذلك لأنَّ للحاكم أنْ يعزِّر الجاني بما يراه صلاحاً إلا أنَّ ذلك خلاف الظاهر فإنَّ الأمر بضربه خمسين جلدة في كلِّ سنة وإنْ كان من التعزير لكن الظاهر أنَّه من التعزير المطَّرد لكلِّ مَن ارتكب ذات الجناية كما هو مقتضى وقوع هذه العقوبة في سياق عقوبة الحبس المؤبَّد المطَّردة لكلِّ مَن ارتكب ذات الجناية، ويؤيده ما رواه في دعائم الاسلام: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنَّه قضى في رجلٍ قتل رجلاً، وآخر يُمسكه للقتل، وآخر ينظر لهما لئلا يأتيهم أحد، فقضى بأنْ يُقتل القاتل، وأنْ يُمسك المُمسك في الحبس حتى يموت، بعد أن يُجلد ويخلَّد في السجن، ويُضرب في كلِّ عامٍ خمسين سوطاً نكالاً .."(5).

ثم إنَّ ظاهر الأخبار أو عددٍ منها أنَّ موضوع عقوبة الحبس المؤبَّد للممسك هو إمساك المجنيِّ عليه ليقتله الآخر فإنَّ ذلك هو الواضح من مثل موثقة سماعة والتي اشتملت على قوله (ع): "لأَنَّه أَمْسَكَه عَلَى الْمَوْتِ" وكذلك هو الواضح مِن مفروض رواية الدعائم قال: "وآخر يُمسكه للقتل" وهو الظاهر من قوله (ع) في صحيحة الحلبي: "ويُحْبَسُ الآخَرُ حَتَّى يَمُوتَ غَمّاً كَمَا كَانَ حَبَسَه عَلَيْه حَتَّى مَاتَ غَمّاً" فإنَّ المستظهَر من قوله (ع): "كما كان حبسه عليه حتى مات غمَّاً" أنَّه ظلَّ ممسكاً به وحابساً له عن الهرب أو الدفع عن نفسه، وكانت غايته من امساكه تمكين الجاني منه فذلك هو معنى: "حبسه عليه" ولا يتَّفق ذلك غالباً إلا لمن قصد تمكين الجاني من القتل، إذ كيف يظلُّ ممسكاً به وهو يجد الجاني يعمدُ إلى قتله لولا أنَّه يقصد من حبسه عليه تمكينه من قتله. وعليه لو ثبت أنَّ امساكه لم يكن بقصد تمكين الجاني من قتله ولكنَّه اتفق وقوع القتل فإنَّ المُمسك لا يكون -ظاهراً- موضوعاً لعقوبة الحبس المؤبَّد.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

21 / شوال / 1447ه

10 / أبريل / 2026م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص46.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص287، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص49.

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص287، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص50.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص287، تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص222، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص51.

5- دعائم الإسلام -القاضي النعمان المغربي- ج3 / ص409، مستدرك الوسائل -النوري- ج18 / ص227.