وجوب توجيه المحتضر إلى القبلة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
هل يجب أنْ يُوجَّه المحتضِر إلى جهة القبلة أو أنَّ ذلك مستحب؟
الجواب:
المشهور بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم -كما أفاد صاحب الحدائق(1)- وجوب توجيه المحتضر إلى القبلة بأنْ يضجع على ظهره ويكون باطن قدميه إلى القبلة بحيث لو تمَّ إجلاسه لكان مستقبلاً بوجهه وصدره للقبلة، وفي مقابل ما عليه المشهور من القول بالوجوب نُسب للشيخ الطوسي في الخلاف القول بالاستحباب وكذلك نُسب للمحقق في المعتبر وصاحب المدارك وصاحب الذخيرة.
الاستدلال للمشهور بالروايات:
ومستند المشهور فيما ذهبوا إليه من وجوب توجيه المحتضر إلى جهة القبلة عددٌ من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع):
منها: صحيحة مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الْمَيِّتِ؟ فَقَالَ: اسْتَقْبِلْ بِبَاطِنِ قَدَمَيْه الْقِبْلَةَ"(2).
والاستدلال بها مبتنٍ على استظهار إرادة المُشرف على الموت من عنوان الميِّت، وذلك لتعارف إطلاق العنوان وإرادة مَن يوشك أن يتلبَّس به كإطلاق عنوان المسافر على من يتهيأ للسفر وعنوان النائم على مَن يتهيأ للنوم فيُقال يستحب للنائم أنْ يقرأ شيئاً من القرآن. فالمراد من الميِّت المأمور بتوجيهه إلى جهة القبلة هو المُشرف على الموت المعبَّر عنه بالمحتضر.
إلا أنَّ الصحيح هو عدم ظهور الرواية في إرادة المشرف على الموت من عنوان الميِّت، وذلك لأنَّ المشتق ظاهرٌ في المتلبِّس بالمبدأ فعلاً، واستعمالُه فيمَن سيتلبَّس به مجازيٌّ، لذلك فهو محتاجٌ إلى قرينة، فمع فقدها يتعيَّن حمل المشتق على المتلبِّس فعلاً بالمبدأ، ولهذا فعنوان الميِّت ظاهرٌ فيمَن وقع عليه الموت، ودعوى تعارف إطلاق العنوان وإرادة مَن يوشك أن يتلبَّس به وإن كان صحيحاً ولكن ذلك دائماً يكون مكتنفاً بالقرينة، فإطلاق عنوان النائم على المتهيأ للنوم لا يتمُّ إلا مع اكتناف الاستعمال للقرينة كما في المثال، وكذلك المسافر وغيرها من المشتقات، وحيث لا قرينة في الرواية على استعمال عنوان الميت في المُشرف على الموت لذلك يتعيَّن استظهار إرادة المتلبس بالموت فعلاً.
وما يقال إنَّ القرينة على إرادة المشرف على الموت في الرواية هو ما ثبت من استحباب التعجيل بتجهيز الميت بعد الموت، فبعد الموت يكون المكلَّفون مخاطبين بالاشتغال بتجهيز الميت وليس توجيهه إلى القبلة، فليكن ذلك قرينة على إرادة المُشرف على الموت من عنوان الميت في الرواية.
فإنَّه يقال إنَّ الأمر بتعجيل التجهيز للميت لا يمنع من الأمر بتوجيهه للقبلة إلى أنْ يتمَّ دفنه أو إلى أن يتمَّ الاشتغال بالتجهيز، فإنَّ ذلك يسترعي وقتاً قد يمتدُّ لساعات، فأيُّ محذورٍ في أن يكون من السنَّة توجيهه إلى القبلة إلى أن يتمَّ الدفن أو إلى أنْ يتمَّ البدء بالاشتغال بتجهيزه.
ومنها: صحيحة سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: "إِذَا مَاتَ لأَحَدِكُمْ مَيِّتٌ فَسَجُّوه تُجَاه الْقِبْلَةِ، وكَذَلِكَ إِذَا غُسِّلَ يُحْفَرُ لَه مَوْضِعُ الْمُغْتَسَلِ تُجَاه الْقِبْلَةِ، فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلاً بِبَاطِنِ قَدَمَيْه ووَجْهِه إِلَى الْقِبْلَةِ"(3).
وهذه الرواية أظهر من التي سبقتها في أنَّ موضوع الأمر بالاستقبال هو الميت بعد موته فإنَّ مفادها هو أنَّه إذا وقع الموت على أحدكم فوجِّهوه إلى جهة القبلة ولعلَّ ما يؤكِّد ذلك قوله (ع): "فسجُّوه تجاه القبلة" فإنَّ التسجية تعني التغطية وهي إنَّما تكون بعد الموت كما هو المتعارف. يقال: سَجى الميتَ أي غَطَّاه، وسَجَّيْت الميِّت تسجيَةً إذا مدَدْت عليه ثوباً، ومنه الحديث المأثور: "لما مات صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، سُجّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ أَي غُطَّيَ(4).
ومنها: صحيحة ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في (حديث) قال: "وإذا وجهت الميِّت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة، لا تجعله معترضاً كما يجعلُ الناس، فإنِّي رأيتُ أصحابنا يفعلونَ ذلك، وقد كان أبو بصير يأمرُ بالاعتراض، أخبرني بذلك علي بن أبي حمزة، فإذا مات الميِّت فخذْ في جهازه وعجِّله"(5).
وهذه الرواية وإنْ كان يظهر من سياقها أنَّ مفروضها هو المحتضر إلا أنَّها -ظاهراً- ليست بصدد بيان حكم الاستقبال بالمحتضِر وإنَّما هي بصدد بيان كيفيَّة الاستقبال، ويؤكِّد ذلك تصدِّيها لنفي الكيفيَّة التي عليها الناس -وهم العامَّة- حيث كانوا يجعلون الميِّت معترضاً كحاله حين الصلاةِ عليه.
ومنها: معتبرة عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن عليٍّ عليه السلام قال: دخل رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله على رجلٍ من ولد عبد المطلب فإذا هو في السَّوق، وقد وُجِّه إلى غير القبلة فقال: وجِّهوه إلى القبلة، فإنَّكم إذا فعلتم ذلك أقبلتْ عليه الملائكة وأقبل اللهُ عليه بوجهِه، فلم يزل كذلك حتى يُقبض"(6) ورواه في الفقيه مرسلة قال: وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله).."(7).
فهذه الرواية وإنْ كانت واضحة في أنَّ موضوع الأمر هو المحتضر المُشرف على الموت، فإنَّ ذلك هو المستظهَر من قوله (ع): "فإذا هو في السَّوق" وقوله (ص): "فلم يزل كذلك حتى يُقبض" فالمأمور بتوجيهه في الرواية إلى القبلة هو المُشرف على الموت إلا أنَّ الأمر بالتوجيه ليس ظاهراً في الوجوب بقرينة التعليل الذي علَّل به الرسولُ الكريم (ص) الأمرَ بالتوجيه، فإنَّ مثل هذا التعليل إنَّما يُناسب الاستحباب وليس الوجوب، فإنَّ مؤدَّى التعليل -كما أفاد السيد الخوئي(8)- هو الحضُّ على الإحسان للمشرف على الموت، وذلك بتوجيهه إلى القبلة لتُقبِل عليه الملائكة، ويُقبِل اللهُ تعالى عليه بوجهه الكريم، وهذا اللحن من الخطاب إنَّما يناسب الاستحباب. ولا أقلَّ من أنَّ اقتران الأمر بمثل هذا التعليل يسلبُ عنه الظهور في الإيجاب واللزوم.
الاستدلال بالسيرة:
هذا وقد استدلَّ عدد من الأعلام بالسيرة المستمرة المتلقَّاة يداً بيد على توجيه المحتضر تجاه القبلة، ولا يتفق الاستمرار على السيرة لولم يكن العمل واجباً بل أنَّهم قد يعتبرون الموت إلى غير القبلة من سوء التوفيق ومن الأمور الشنيعة كما أفاد صاحب الجواهر(9).
إلا أنَّه مع التسليم باستمرار السيرة فإنَّه لا يتعيَّن دلالتُها على الوجوب، فقد يكون منشأها تلقِّي الأمر الاستحبابي المؤكَّد والذي يحرص عليه أهل الميِّت تكريماً لميِّتهم وحبَّاً له واحساناً منهم إليه، وحرصاً منهم على أنْ يحظى ميتهم بالمزيد من الرحمة الموعود بها، لذلك نجد الاستمرار والحرص على الالتزام بالكثير من السُنن رغم علم أهل الميِّت بعدم وجوبها.
والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّه لم يقم دليلٌ على وجوب توجيه المحتضر إلى القبلة وإن كان الاحتياط في محلِّه الذي لا ينبغي تركه.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
23 / شوال / 1447ه
12 / أبريل / 2026م
1- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج3 / ص352.
2- الكافي -الكليني- ج3 / ص127، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص453.
3- الكافي -الكليني- ج3 / ص127، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص452.
4- لسان العرب -ابن منظور- ج14 / ص371، النهاية -ابن الأثير- ج2 / ص344.
5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص465، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص452.
6- علل الشرائع -الصدوق- ج1 / ص297، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص453.
7- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج1 / ص133.
8- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج8 / ص271.
9- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج4 / ص6.