الحكم فيما إذا أمر أحدُهم آخرَ بقتل رجلٍ فقتله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا أمر أحد آخر بقتل رجلٍ فقتله، فمن منهما يستحق القصاص هل هو الآمر أو هو المباشر للقتل أو أنَّ كلاً منهما مستحق للقصاص؟
الجواب:
لهذه المسألة فروض عدَّة:
الفرض الأول: أنَّ يكون كلٌّ من الآمر والمأمور واجدين لشرائط التكليف من البلوغ والعقل والاختيار، وفي مثل هذا الفرض يكون المستحقُّ للقصاص هو المأمور لأنَّه المباشرُ للقتل عن اختيارٍ فتشمله إطلاقات ما دلَّ على استحقاق القاتل للنفس المحترمة عمداً للقتل، وأمَّا الآمر فعقوبتُه الحبس المؤبَّد إلى أن يموت كما نصَّت على ذلك صحيحة زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع): فِي رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلاً بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَه؟ فَقَالَ: "يُقْتَلُ بِه الَّذِي قَتَلَه، ويُحْبَسُ الآمِرُ بِقَتْلِه فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ"(1).
الفرض الثاني: أنْ يكون المأمور بالقتل مُكرَهاً من قِبَل الآمر، ولهذا الفرض صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون ما توعَّد به المأمور في مقام الإكراه هو شيءٌ دون القتل كما لو توعَّده بالضرب أو الجرح أو الحبس أو مصادرة أمواله فأقدم المأمور على قتل الرجل، ففي مثل هذه الصورة يكون المأمور مستحقَّاً للقصاص، ويكون الآمر مستحقَّاً للحبس المؤبد.
أمَّا استحقاق المأمور للقصاص فلأنَّه المباشر للقتل، فهو وإن كان مُكرَهاً ولكنَّ الإكراه بما دون القتل لا يسوِّغ قتل النفس المحترمة، إذ أنَّ المعلوم من ضرورة الشرع- كما أفاد السيد الخوئي(2)- أهمية النفس المحترمة، ولهذا لا ترتفعُ حرمة قتلها لمجرَّد الوعيد بما دون القتل، فكان عليه تحمُّل الإكراه وعدم الاستجابة للأمر بالقتل، وحيث إنَّه أقدم على القتل رغم عدم ارتفاع حرمته بالإكراه، لذلك يكون مستحقَّاً للقصاص، لأنَّ القتل للنفس المحترمة صدر عنه بغير وجه حقٍّ فيكون قتلُه لها من العدوان المصحِّح للقصاص.
وأمَّا استحقاق الآمر للحبس المؤبَّد فلصحيحة زرارة المتقدِّمة.
الصورة الثانية: أنْ يكون ما توعَّد به المأمور هو القتل، وكان قادراً على إنجاز ما توعَّد به، فهنا لو أقدم المأمور على القتل فالمشهور بين الفقهاء بل ادُّعي الإجماع بقسميه(3) على استحقاق المأمور للقصاص، لأنَّه المباشر للقتل وإنْ كان مكرهاً، إذ أنَّ الإكراه على القتل ليس من الإكراه الرافع للتكليف بعدم القتل، وذلك لأنَّ أدلَّه رفع القلم عن المُكرَه واردة مورد الامتنان على عموم الأمة، فلا تشملُ أدلة رفع القلم المواردَ التي يكون في رفعه نقمة على آخرين من أفراد الأمة، وعليه فلا يجوز دفع القتل عن النفس بإيقاع القتل على نفسٍ محترمة. ويؤكد ذلك ما ورد في مثل صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدَّمُ فَإِذَا بَلَغَ الدَّمَ فَلَيْسَ تَقِيَّةٌ"(4) وكذلك هو مقتضى إطلاق صحيحة زرارة المتقدِّمة حيث أفادت باستحقاق المباشر للقتل دون تفصيل بين المكرَه وغيره.
واستشكل السيد الخوئي(5) في الحكم باستحقاق المأمور للقصاص في فرض كون الإكراه بنحو التهديد بالقتل، فأدلة رفع القلم عن المكرَه وإنْ كانت لا تشمل المقام لورودها مورد الامتنان إلا أنَّه ورغم ذلك يجوز للمأمور المباشرة للقتل، وذلك لأنَّ المقام من صغريات باب التزاحم، فالمكلَّف المكرَه على القتل مخاطَبٌ بتكليفين إلزاميين أحدهما هو حرمة قتل النفس المحترمة والثاني هو وجوب حفظ نفسه، ولا يسعه بحسب الفرض الامتثال للتكليفين، لهذا فهو مخيَّرٌ في امتثال أحدهما بعد افتراض تساوي التكليفين في الأهميَّة، فإذا اختار القتل للنفس المحترمة فقد اختار ما هو سائعٌ له شرعاً بمقتضى التزاحم، وبه لا يكون قتلُه للنفس المحترمة عدواناً منه، فلا يكون مستحقَّاً للقصاص، نعم هو مكلَّف بدفع الدية لأنه لا يذهب دم مسلم هدرا.
وأمَّا الآمر فهو مستحقٌّ للحبس المؤبد بمقتضى صحيحة زرارة المتقدمة.
الفرض الثالث: أنْ يكون المأمور بالقتل مجنوناً أو صبياً غير مميِّز وفي هذا الفرض يكون المستحقُّ للقصاص هو الآمر، وذلك لأنَّ القتل مستند إليه عرفاً، والمأمور بمنزلة الآلة كما هو واضح.
الفرض الرابع: أنْ يكون المأمور بالقتل صبيَّاً مميزاً، وفي مثل هذا الفرض لا يكون الصبيُّ مستحقَّاً للقصاص، لأنَّ عمد الصبي بمنزلة الخطأ شرعاً(6) فلا قصاص عليه نعم تثبت الدية لأولياء المقتول على عاقلة الصبي كما نصت عليه مثل موثقة إسحاق بن عمار عن الإمام جعفر عن أبيه أنَّ عليَّاً (عليه السلام) كان يقول: "عمد الصبيان خطأٌ يحمل على العاقلة"(7).
وأمَّا الآمر فلا قصاص عليه ولا دية، لأنَّه لم يقتل، نعم يُعاقب بالحبس المؤبَّد بمقتضى صحيحة زرارة المتقدمة. فهي وإنْ كان مفروضها أنَّ رَجُلاً أَمَرَ رَجُلاً بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَه، إلا أنَّ الواضح انتفاء الخصوصية عن كون المأمور رجلاً، فالمتلقِّي للرواية يفهم أنَّ كلَّ مَن أمر آخر بقتل نفسٍ محترمة فإنَّ عقوبته الحبس المؤبَّد سواءً كان المأمور رجلاً أو امرأةَ أو كان صبياً مميزاً، نعم في فرض كون المأمور صبيَّاً غير مميِّزٍ أو كان مجنوناً فإنَّه يُعدُّ عرفاً آلة وليس مأموراً مختاراً. ولهذا فالقتل مستندٌ حقيقة للآمر دون المأمور.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
24 / شوال / 1447ه
13 / أبريل / 2026
1- الكافي -الكليني- ج7 / ص285، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص45.
2- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج42 / ص14.
3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص47، رياض المسائل -السيد الطبأطبائي- ج14 / ص41.
4- الكافي -الكليني- ج2 / ص220، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج16 / ص234. وموثقة أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لم تبق الأرض إلا وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل قال: إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية .." وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج16 / ص235.
5- شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج42 / ص14.
6- كما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: عمد الصبي وخطأه واحد" وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص400.
7- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص400.