مشروعيَّة تكرار الصلاة على الجنازة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يصحُّ تكرار الصلاة على الميتِّ بأنّْ يصلِّى عليه مرَّتين أو أكثر كما لو تمَّت الصلاة عليه في بلده ثم نُقل إلى بلدٍ أخرى ليُدفن فيها فهل تُشرع الصلاة عليه مرَّةً أخرى، وكذلك لو لم يُدرك جماعةٌ الصلاة عليه فأحبَّوا أن يقيموا الصلاة عليه فهل تُشرع لهم الصلاة عليه والحال أنَّها قد أقيمت عليه قبل ذلك؟

الجواب:

المشهور بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليه(1) هو مشروعيَّة تكرار الصلاة على الجنازة على كراهةٍ في ذلك بل نُسب إلى السيِّد ابن زهرة في الغنية الإجماع على المشروعيَّة مع الكراهة سواءً كان التكرار في جماعة أو كانت الصلاة فرادى، وسواءً كان المصلِّي متَّحِداً أو متعدِّدا فيجوز لمَن صلَّى تكرار الصلاة كما يجوز لمَن لم يصلِّ أن يصلِّي على الجنازة بعد انتهاء غيره من الصلاة عليها، وفي المقابل ذهب البعض إلى كراهة تكرار الصلاة جماعة دون الفرادى، وذهب البعضُ الآخر إلى كراهتها لمَن صلَّى عليها دون من لم يصلِّ، وخصَّ بعضُهم الكراهة بفرض المنافاة للتعجيل أو عند الخوف على الميِّت(2).

مستند المشهور: 

أمَّا مستند البناء على مشروعيَّة تكرار الصلاة على الجنازة فرواياتٌ عديدة:

منها: موثقة عمَّار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "الميِّتُ يُصلَّى عليه ما لم يُوار بالتراب وإن كان قد صُلِّي عليه"(3).

والرواية صريحةٌ في أصل المشروعية، وظاهرة بمقتضى إطلاقها في جواز تكرار الصلاة على الجنازة فرادى وفي جماعة مرَّتين أو أكثر إلى أنْ توارى، وكذلك هي ظاهرة في جواز تكرار الصلاة ممَّن قد صلِّى عليها.

ومنها: موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألتُه عن الجنازة لم أُدركها حتى بلغت القبر أصلِّي عليها؟ قال: إنْ أدركتها قبل أنْ تُدفن فإنْ شئتََ فصلِّ عليها"(4).

وهذه الرواية صريحة أيضاً في المشروعيَّة في الجملة إلا أنَّ موردها مَن لم يُدرك الصلاة عليها، فلا تشمل مَن كان قد صلَّى عليها، نعم هي ظاهرة بمقتضى إطلاقها في جواز الصلاة عليها فرادى، وفي جماعة.

ومنها: رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلتُ له أرأيت إن فاتتني تكبيرة أو أكثر قال: تقضي ما فاتك، قلتُ أستقبل القبلة؟ قال: بلى وأنت تتبع الجنازة، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله خرج على جنازة امرأةٍ من بني النجار فصلَّى عليها فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجئ قومٌ إلا قال لهم عليه السلام: صلُّوا عليها"(5).

هذا وقد استُدلَّ كذلك على الجواز بما ورد في كيفيَّة صلاة المهاجرين والأنصار على النبيِّ الكريم (ص) فقد ورد أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان يُدخِل على جنازة النبيِّ الكريم(ص) عشرة عشرة فيُصلُّون عليه ويخرجون حتى لم يبقَ من أحدٍ في المدينة والعوالي لم يصلِّ عليه، وكذلك استُدلًّ على الجواز بصلاة النبيِّ الكريم (ص) على حمزة (ع) فقد ورد أنَّه كبَّر عليه سبعين تكبيرة أي أنَّه صلى عليه أربعة عشر مرَّة، وكذلك استُدلَّ على الجواز بصلاة أمير المؤمنين (ع) على الصحابي الجليل سهل بن حنيف رحمه الله خمس مرات خمسة وعشرين تكبيرة(6).

إلا أنَّ الظاهر هو عدم صحَّة الاستدلال بهذه الطوائف من الروايات على الجواز، أمَّا الصلاة على النبيِّ الكريم (ص) بالكيفية المذكورة فلو سلِّم أنَّ العشرة الذين يُدخلهم أمير المؤمنين(ع) كانوا يصلُّون عليه صلاة الجنازة فإنَّ من المحتمل قوياً هو أنَّ ذلك من مختصَّات النبيِّ الكريم (ص) بل إنَّ في بعض هذه الروايات ما يظهر منه ذلك، على أنَّ الصحيح كما يظهر من ملاحظة مجموع الروايات أنَّ الداخلين لم يكونوا يصلُّون على النبيِّ الكريم (ص) صلاة الجنازة وأنَّ الذي صلَّى على النبيِّ(ص) صلاة الجنازة هم أمير المؤمنين (ع) وفاطمة والحسن والحسين (ع) وعددٌ يسير من الصحابة، وأمَّا العشرة العشرة الذين يتمُّ إدخالهم على الجثمان الطاهر فكانوا يُلقَّنون دعاءً من أمير المؤمنين (ع) ويطوفون حول الجنازة ويخرجون.

وأما صلاة النبيِّ (ص) على حمزة (ع) فالواضح من مساق الروايات في ذلك أنَّها كانت خصوصية ميَّز بها الرسولُ (ص) حمزةَ سيد الشهداء (ع) سواءً استظهرنا من الروايات أنَّها صلاة واحدة بسبعين تكبيرة أو أنَّها أربعة عشر صلاة كما يظهر من بعض الروايات.

وأما صلاة أمير المؤمنين (ع) على سهل بن حنيف رحمه الله فكذلك لا تدلُّ على جواز تكرار الصلاة على الجنازة لكلِّ أحد، فإنَّ ظاهر الروايات المأثورة في ذلك هو لخصوصيةٍ في سهل بن حنيف أو لكونه بدرياً وعليه لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات على جواز التكرار لغير البدري. نعم يظهر من رواية أبي بصير أنَّ منشأ تكرار الصلاة على سهل بن حنيف هو طلب مَن لم يُدرك الصلاة عليه، فقد روى الكليني بسنده عن أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: كَبَّرَ رَسُولُ اللَّه (ص) عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً وكَبَّرَ عَلِيٌّ (ع) عِنْدَكُمْ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ خَمْساً وعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً قَالَ: كَبَّرَ خَمْساً خَمْساً كُلَّمَا أَدْرَكَه النَّاسُ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ نُدْرِكِ الصَّلَاةَ عَلَى سَهْلٍ فَيَضَعُه فَيُكَبِّرُ عَلَيْه خَمْساً حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرِه خَمْسَ مَرَّاتٍ"(7).

وهذه الرواية لو تمَت سنداً وقطعنا النظر عما يظهر في الروايات الأخرى من الخصوصية لسهل بن حنيف(8) لكانت صالحة للاستدلال بها على جواز تكرار الصلاة على الجنازة حتى لمَن صلَّى عليها لأنَّ الواضح أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان هو من يؤم المصلِّين (ع) الذين لم يُدركوا الصلاة على سهل بن حنيف.

الروايات التي يستظهر منها عدم المشروعيَّة:

وكيف كان فقد ورد في مقابل ما دلَّ على جواز تكرار الصلاة على الميِّت روايات يظهر منها بدواً عدم مشروعيَّة تكرار الصلاة على الميِّت وهي:

الأولى: موثقة الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) "أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله صلَّى على جنازةٍ فلمَّا فرغ جاء قومٌ لم يكونوا أدركوها فكلَّموا رسولَ الله صلَّى الله عليه وآله أنْ يعيد الصلاةَ عليها فقال: لهم قد قُضيت الصلاة عليها، ولكن ادعوا لها"(9).

والانصاف أنَّ هذه الرواية ليست ظاهرةً في نفي المشروعيَّة عن تكرار الصلاة على الميِّت، فلعلَّ النبيَّ (ص) لم يشأ تكرار الصلاة على الجنازة، فأقصى ما تدلُّ عليه الرواية هو سقوط الوجوب عمَّن لم يدرك الصلاة وعدم استحباب تكرارها.

الثانية: موثَّقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلَّى على جنازةٍ فلمَّا فرغ جاء قومٌ فقالوا: فاتتنا الصلاة عليها فقال:"إنَّ الجنازة لا يُصلَّى عليها مرَّتين ادعوا لها، وقولوا خيراً"(10).

الثالثة: رواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام): "أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله صلَّى على جنازةٍ، فلمَّا فرغ جاءه أناسٌ فقالوا: يا رسول الله صلَّى الله عليه وآله لم نُدرك الصلاة عليها فقال: "لا يُصلَّى على جنازةٍ مرَّتين ولكنْ ادعوا لها"(11).

مقتضى الجمع الدلالي العرفي بين الروايات:

وهذه الرواية والتي سبقتها ظاهرتان في نفي المشروعيَّة عن تكرار الصلاة على الميِّت إلا أنَّه يتعيَّن رفع اليد عن هذا الظهور، وذلك لصراحة الموثقتين في المشروعيَّة فيُحملُ ما أفادته مثل موثقة إسحاق على الكراهة أو نفي الاستحباب، وبذلك لا يُصار إلى التمسُّك بقاعدة توقيفية العبادة المقتضية لنفي مشروعية التكرار، إذ أنَّ موثقتي عمَّار ويونس صالحتان لإثبات مشروعيَّة تكرار الصلاة على الميِّت ولو قيل باستحكام التعارض فإنَّ الترجيح يكون لروايات الجواز وتحمل الطائفة الأخرى على التقية.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

30 / شوال / 1447ه

18 / أبريل / 2026م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج12 / ص100، الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج10 / ص449.

2- الحدائق الناضرة -الشيخ يوسف البحراني- ج10 / ص450، مستند الشيعة -النراقي- ج6 / ص330.

3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص86.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص86.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج3 / ص325، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص87.

6- لاحظ: وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص80 / باب 6 من أبواب صلاة الجنازة.

7- الكافي -الكليني- ج3 / ص186، ج3 / ص82.

8- مثل معتبرة عقبة عن جعفر قال: سئل جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنائز؟ فقال: ذلك إلى أهل الميت ما شاءوا كبروا، فقيل: إنهم يكبرون أربعا، فقال: ذاك إليهم، ثم قال: أما بلغكم أن رجلا صلى عليه علي (عليه السلام) فكبر عليه خمسا حتى صلى عليه خمس صلوات، يكبر في كل صلاة خمس تكبيرات. قال: ثم قال: إنه بدري عقبي أحدي، وكان من النقباء الذين اختارهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الاثني عشر، وكانت له خمس مناقب، فصلى عليه لكل منقبة صلاة" ج3 / ص86.

9- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص87.

10- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص87.

11- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص88.