أحدهم جنى على رجلٍ وأجهز عليه آخر

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا جنى أحدٌ على آخر جنايةً قاتلة بطبعها وقبل موته جاء رجلٌ آخر فأجهز عليه فمَن منهما يستحقُّ القتل قصاصاً؟

الجواب:

الجناية المفضية لعدم استقرار الحياة:

إذا كانت الجناية الأولى أفضت إلى عدم استقرار حياة المجنيِّ عليه بحيث فقدَ بها الإدراك والحركة الاختيارية فصار بمنزلة الميِّت، ففي مثل هذا الفرض يكون القصاص بالقتل على الجاني الأول، وذلك لأنَّ القتل مستندٌ إليه حقيقة وعرفاً وهو موضوع القصاص بالقتل، وأما الجاني الثاني فعليه الدية تماماً كما تفرض الدية على من جنى على جسد ميِّت.

وأمَّا إذا لم تُؤدِّ جنايةُ الأول إلى عدم استقرار حياة المجنيِّ عليه بأنْ بقيت حياته مستقرة فجاء الآخر وأجهز عليه، ففي مثل هذا الفرض يكون القصاص بالقتل على الجاني الثاني، لأنَّ القتل مستندٌ إليه حقيقة وإنْ كانت جناية الأول تَقتلُ بطبعها ولو تُرك لمات منها إلا أنَّه حيث أقدم الثاني على الإجهاز عليه فإنَّه بذلك يكون قد منع من سراية جراحة الجاني الأول، ولهذا فالقتلُ مستندٌ للثاني فيكون هو المستحقُّ للقوَد ويكون الأول مستحقَّاً لقصاص الجراحة أو ديتها.

وبتعبير آخر: إنَّ جناية الجاني الأول وإنْ كانت قاتلة بطبعها ولكنَّها لم تؤدِ -بحسب الفرض- إلى القتل، نعم لو تُرك المجنيُّ عليه لسرت الجناية وأدَّت إلى موته وحينذاك يُصبح مستحقَّاً للقصاص، فاستحقاق الجاني الأول للقصاص مبتنٍ على جنايته وعدم تحقُّق ما يمنع من السراية، وحيث إنَّه تحقق -بحسب الفرض- ما يمنع من السراية وهي جناية الثاني بالإجهاز عليه، فموضوع القوَد وهو استناد القتل للجاني الأول لم يتحقَّق بتمامه، لأنَّه وإن كان قد جنى عليه جنايةً قاتلةً بطبعها لكنَّه لم يُقتل بها وتحقُّق القتل بها يتوقَّف على وقوع السراية وهي لم تحصل لإجهاز الثاني عليه، فالقتلُ مستندٌ للثاني دون الأول.

إذا جنى اثنان فسرت جناية أحدهما دون الآخر:

وهنا فرع آخر قريب من هذا الفرع وهو ما لو جنى أحد على آخر بقصد قتله ولكنَّ الجناية لم تكن قاتلة، وجاء آخر وجنى عليه بقصد قتله بجنايةٍ لم تكن قاتلة فبرئت إحدى الجنايتين وسرت الأخرى فأدَّت إلى قتله.

ومثال ذلك: لو قطع أحدٌ يدَ آخر بقصد قتله فلم يُقتل، وجاء آخر فقطع يده الأخرى بقصد قتله فلم يُقتل واتفق أنْ اندملت جراحة أحدهما ولم تندمل جراحة الآخر فسرتْ وأدَّت إلى موته فإنَّ المستحقَّ للقود هو الجاني الذي لم تندمل جراحتُه ويكون على الجاني الآخر الذي اندملتْ جراحته قصاصُ الطرف أو ديةُ الطرف.

والوجهُ في ذلك واضح، فإنَّ القتل غيرُ مستندٍ لمَن قطع اليد فاندملت فلا يستحقُّ أكثر من قصاص الطرف الذي قطعه أو ديته، وأمَّا الذي قطع اليد الأخرى فلم تندمل جراحتُه فإنَّ القتل قد تحقَّق بسبب سراية الجراحة التي أصاب بها المجنيَّ عليه بقصد قتله، لذلك فالقتلُ مستندٌ إليه فيكون مستحقَّاً للقود.

وهذا المقدار لم يقع مورداً للخلاف بين الفقهاء، نعم وقع الخلاف في أنَّ أولياء المقتول لو اختاروا القصاص من القاتل فهل عليهم أنْ يدفعوا لأولياء القاتل مقدار دية اليد الأخرى التي تمَّ تحصيلها من الجاني الآخر؟

ذهب جمع(1) إلى ذلك ومستندهم رواية سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً عَمْداً وكَانَ الْمَقْتُولُ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَالَ: "إِنْ كَانَتْ يَدُه قُطِعَتْ فِي جِنَايَةٍ جَنَاهَا عَلَى نَفْسِه أَوْ كَانَ قُطِعَ فَأَخَذَ دِيَةَ يَدِه مِنَ الَّذِي قَطَعَهَا فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُه أَنْ يَقْتُلُوا قَاتِلَه أَدَّوْا إِلَى أَوْلِيَاءِ قَاتِلِه دِيَةَ يَدِه الَّتِي قِيدَ مِنْهَا وإِنْ كَانَ أَخَذَ دِيَةَ يَدِه ويَقْتُلُوه وإِنْ شَاؤُوا طَرَحُوا عَنْه دِيَةَ يَدِه وأَخَذُوا الْبَاقِيَ قَالَ: وإِنْ كَانَتْ يَدُه قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ جَنَاهَا عَلَى نَفْسِه ولَا أَخَذَ بِهَا دِيَةً قَتَلُوا قَاتِلَه ولَا يُغْرَمُ شَيْئاً وإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا دِيَةً كَامِلَةً قَالَ: وهَكَذَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (ع)"(2).

ومفاد الرواية هو أنَّه لو جنى رجلٌ على آخر فقتله وكان المقتولُ مقطوعَ اليد، فإنْ كانت يده قُطعت لجنايةٍ جناها من سرقةٍ أو اعتداء أو كانت قد قُطعت مِن آخر وأخذ عليها الدية فهنا لو اتَّفق أنْ قُتل وأراد أولياؤه أنْ يقتلوا قاتله فإنَّ لأولياءِ القاتل المطالبةَ بمقدار دية اليد المقطوعة من المقتول، لأنَّهم سيقتلون تامَّاً بناقصٍ فقتيلهم مقطوع اليد إمَّا بحقٍّ أو أنَّه حصَّل عوضها لذلك فلأولياء القاتل المطالبة بمقدار دية اليد المقطوعة من المقتول. نعم لو كانت يد المقتول مقطوعةً خِلقةً أو لعارض فإنَّه ليس لأولياء القاتل المطالبة بمقدار دية اليد المقطوعة.

هذا هو مفاد الرواية وهي صالحة لإثبات المطلوب، إذ أنَّ المجنيَّ عليه -في مفروض المسألة- كان قد قُطعتْ يده من جانٍ آخر واندملت فاستحقَّ على الجاني دية القطع وبعده قُتل من سرايةِ جنايةٍ أخرى وأراد أولياء المقتول بالسراية القصاص من قاتله، لذلك صار لأولياء القاتل -بمقتضى مفاد الرواية- المطالبة من أولياء المقتول بعوض اليد المقطوعة من قتيلهم. والرواية لا إشكال في سندها إلا من جهة سورة بن كليب وهو من رجال أسانيد تفسير عليِّ بن إبراهيم القمي، فالرواية معتبرة وعمل بها جمع من الفقهاء. بل أفاد صاحب الجواهر أنَّه لا يعرف من ردَّها صريحا إلا الشيخ الطوسي، وما يحكى عن الفخر، نعم توقَّف فيه غير واحد(3).

هذا وقد أيَّد صاحب الجواهر(4) الرواية بما ورد في رواية الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَرِيشِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (ع) قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الأَوَّلُ (ع) لِعَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ أَنْشُدُكَ اللَّه هَلْ فِي حُكْمِ اللَّه تَعَالَى اخْتِلَافٌ قَالَ: فَقَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا تَرَى فِي رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلاً أَصَابِعَه بِالسَّيْفِ حَتَّى سَقَطَتْ فَذَهَبَتْ وأَتَى رَجُلٌ آخَرُ فَأَطَارَ كَفَّ يَدِه فَأُتِيَ بِه إِلَيْكَ وأَنْتَ قَاضٍ كَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ؟ قَالَ: أَقُولُ لِهَذَا الْقَاطِعِ أَعْطِه دِيَةَ كَفٍّ وأَقُولُ لِهَذَا الْمَقْطُوعِ صَالِحْه عَلَى مَا شِئْتَ أَوْ أَبْعَثُ إِلَيْهِمَا ذَوَيْ عَدْلٍ فَقَالَ لَه: جَاءَ الِاخْتِلَافُ فِي حُكْمِ اللَّه ونَقَضْتَ الْقَوْلَ الأَوَّلَ، أَبَى اللَّه أَنْ يُحْدَثَ فِي خَلْقِه شَيْءٌ مِنَ الْحُدُودِ ولَيْسَ تَفْسِيرُه فِي الأَرْضِ، اقْطَعْ يَدَ قَاطِعِ الْكَفِّ أَصْلاً ثُمَّ أَعْطِه دِيَةَ الأَصَابِعِ هَذَا حُكْمُ اللَّه تَعَالَى"(5).

فمفاد الرواية هو استحقاق قاطع الكفِّ للقصاص ولكن يُردُّ إليه مقدار دية الأصابع التي قطعها جانٍ آخر. كذلك المقام يقتل الجاني التي سرت جنايته ويعطى أولياء القاتل مقدار دية اليد المقطوعة من المجنيِّ عليه من جانٍ آخر. 

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

1 / ذو القعدة / 1447ه

19 / أبريل / 2026م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص337، رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص149.

2- الكافي -الكليني- ج7 / ص316، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص111.

3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص337.

4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص337.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص217، وسائل الشيعة -الحر العاملي- 29 / ص172.