تداخل موجبات الديات وتداخل موجبات القصاص
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا جرح أحدٌ آخر ثم قتله فهل تدخل دية الجراحة في دية النفس أو يكون الجاني مسئولاً عن كلٍّ من الديتين؟ وهل يدخل قصاص الجرح في قصاص النفس أو يكون الجاني مستحقَّاً أولاً لقصاص الجرح ثم قصاص النفس؟
الجواب:
أمَّا تداخل الديتين فللمسألة فرضان:
الفرض الأول: أنْ يضرب الجاني -خطأ أو عمداً شبيهاً بالخطأ- المجنيَّ عليه ضربةً واحدة فيجرحه بها ثم يموت بسببها كما لو ضربه فقطع يده ثم مات منها وفي مثل هذا الفرض تتداخل الديتان بمعنى عدم الاستحقاق لأكثر من دية النفس، والظاهر هو عدم وقوع الاختلاف في ذلك بل أدُّعي الإجماع عليه بقسميه كما في الجواهر(1) إذا كانت الجناية ثابتة بالأصالة أي كانت الجناية خطأً أو عمدا شبيهاً بالخطأ.
وتدلُّ على التداخل صحيحة أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلاً بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ عَلَى رَأْسِه ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَأَجَافَه حَتَّى وَصَلَتِ الضَّرْبَةُ إِلَى الدِّمَاغِ فَذَهَبَ عَقْلُه؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَضْرُوبُ لَا يَعْقِلُ مِنْهَا الصَّلَاةَ ولَا يَعْقِلُ مَا قَالَ ولَا مَا قِيلَ لَه فَإِنَّه يُنْتَظَرُ بِه سَنَةً، فَإِنْ مَاتَ فِيمَا بَيْنَه وبَيْنَ السَّنَةِ أُقِيدَ بِه ضَارِبُهوإِنْ لَمْ يَمُتْ فِيمَا بَيْنَه وبَيْنَ السَّنَةِ ولَمْ يَرْجِعْ إِلَيْه عَقْلُه أُغْرِمَ ضَارِبُه الدِّيَةَ فِي مَالِه لِذَهَابِ عَقْلِه قُلْتُ لَه: فَمَا تَرَى عَلَيْه فِي الشَّجَّةِ شَيْئاً قَالَ: لَا، لأَنَّه إِنَّمَا ضَرَبَه ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَجَنَتِ الضَّرْبَةُ جِنَايَتَيْنِ فَأُلْزِمُه أَغْلَظَ الْجِنَايَتَيْنِ، وهِيَ الدِّيَةُ، ولَوْ كَانَ ضَرَبَه ضَرْبَتَيْنِ فَجَنَتِ الضَّرْبَتَانِ جِنَايَتَيْنِ لأَلْزَمْتُه جِنَايَةَ مَا جَنَتَا كَانَتَا مَا كَانَتَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا الْمَوْتُ فَيُقَادَ بِه ضَارِبُه بِوَاحِدَةٍ وتُطْرَحَ الأُخْرَى قَالَ: وقَالَ: فَإِنْ ضَرَبَه ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَجَنَيْنَ ثَلَاثَ جِنَايَاتٍ أَلْزَمْتُه جِنَايَةَ مَا جَنَتِ الثَّلَاثُ ضَرَبَاتٍ كَائِنَةً مَا كَانَتْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا الْمَوْتُ فَيُقَادَ بِه ضَارِبُه قَالَ: وقَالَ: فَإِنْ ضَرَبَه عَشْرَ ضَرَبَاتٍ فَجَنَيْنَ جِنَايَةً وَاحِدَةً أَلْزَمْتُه تِلْكَ الْجِنَايَةَ الَّتِي جَنَيْنَهَا الْعَشْرُ ضَرَبَاتٍ كَائِنَةً مَا كَانَتْ"(2).
فموضع الاستدلال من الرواية هو قوله (ع): "وإِنْ لَمْ يَمُتْ فِيمَا بَيْنَه وبَيْنَ السَّنَةِ ولَمْ يَرْجِعْ إِلَيْه عَقْلُه أُغْرِمَ ضَارِبُه الدِّيَةَ فِي مَالِه لِذَهَابِ عَقْلِه قُلْتُ لَه: فَمَا تَرَى عَلَيْه فِي الشَّجَّةِ شَيْئاً قَالَ: لَا، لأَنَّه إِنَّمَا ضَرَبَه ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَجَنَتِ الضَّرْبَةُ جِنَايَتَيْنِ فَأُلْزِمُه أَغْلَظَ الْجِنَايَتَيْنِ، وهِيَ الدِّيَةُ" وموردها وإنْ كان هو تداخل دية الشجَّة في دية العقل إلا أنَّ قوله: "لأَنَّه إِنَّمَا ضَرَبَه ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَجَنَتِ الضَّرْبَةُ جِنَايَتَيْنِ فَأُلْزِمُه أَغْلَظَ الْجِنَايَتَيْنِ، وهِيَ الدِّيَةُ" ظاهرٌ في أنَّ علَّة التداخل هو أنَّ الضربة كانت واحدة، فبمقتضى عموم التعليل هو دخول جناية الطرف أو الشجَّة في جناية النفس إذا كانت الجنايتان وقعتا بضربة واحدة.
الفرض الثاني: أنْ يضرب الجاني المجنيَّ عليه ضربتين فيجرحه أو يبتر طرفا له بالأولى ويقتله بالثانية وفي مثل هذا الفرض ذهب المشهور إلى التداخل أيضاً فلا يُلزم الجاني بأكثر من دية النفس ونسب صاحب الجواهر إلى المحقق وغيره الإجماع على ذلك.
ونفى السيِّد الخوئي رحمه الله (3) تحقُّق الإجماع على ذلك فإنَّ المسألة غير محرَّرة في كلام غير واحدٍ من الأعلام، وحيث إنَّ التداخل مفتقرٌ إلى الدليل فالأصل هو عدم التداخل واستحقاق المجنيِّ عليه الدية عن كلِّ جناية.
هذا مضافاً إلى دلالة صحيحة عبيدة على عدم التداخل إذا كانت الجناية بضربتين أو أكثر ما لم ينته الأمر إلى القصاص، فقد اشتملت الرواية على قوله (ع): "ولَوْ كَانَ ضَرَبَه ضَرْبَتَيْنِ فَجَنَتِ الضَّرْبَتَانِ جِنَايَتَيْنِ لأَلْزَمْتُه جِنَايَةَ مَا جَنَتَا كَانَتَا مَا كَانَتَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا الْمَوْتُ فَيُقَادَ بِه ضَارِبُه بِوَاحِدَةٍ وتُطْرَحَ الأُخْرَى" وكذلك اشتملت على قوله (ع): "فَإِنْ ضَرَبَه ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَجَنَيْنَ ثَلَاثَ جِنَايَاتٍ أَلْزَمْتُه جِنَايَةَ مَا جَنَتِ الثَّلَاثُ ضَرَبَاتٍ كَائِنَةً مَا كَانَتْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا الْمَوْتُ فَيُقَادَ بِه ضَارِبُه" فالصحيح هو عدم تداخل الديات إذا كانت الجناية قد تمت بضربات متعدِّدة.
وأمَّا تداخل القصاص فللمسألة ثلاثة فروض:
الفرض الأول: أن يكون الجرح والقتل بضربةٍ واحدة كما لو ضربه على يده فقطعها فمات، ففي مثل هذا الفرض يكون الحكم هو التداخل فلا يستحقُّ الجاني سوى القصاص بالقتل والظاهر أنَّه لم يقع خلاف بين الفقهاء في ذلك(4).
ومستندُ البناء على التداخل في القصاص في هذا الفرض روايتان:
الأولى: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) فِي رَجُلٍ فَقَأَ عَيْنَيْ رَجُلٍ، وقَطَعَ أُذُنَيْه ثُمَّ قَتَلَه؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ اقْتُصَّ مِنْه ثُمَّ يُقْتَلُ، وإِنْ كَانَ ضَرَبَه ضَرْبَةً وَاحِدَةً ضُرِبَتْ عُنُقُه ولَمْ يُقْتَصَّ مِنْه"(5).
الثانية: صحيحة حفص بن البختري قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلٍ ضُرب على رأسه فذهب سمعُه وبصرُه واعتُقل لسانُه ثم مات؟ فقال:"إنْ كان ضربه ضربةً بعد ضربة اقتُصَّ منه ثم قُتل، وإنْ كان أصابَه هذا من ضربةٍ واحدة قُتل ولم يقتصَّ منه"(6).
والروايتان شديدتا الظهور في تداخل القصاص في فرض وقوع الجناية بضربةٍ واحدة، على أنَّه لا يكاد يتَّفق وقوع القتل دون وقوع الجرح، فالقتل عادةً يقع في طول الجرح.
الفرض الثاني: أنْ يكون الجرحُ والقتل بضربتين ويكون بينهما فاصلة زمنيَّة كما لو ضربه في المرَّة الأولى فقطع يده ولم يمت ثم ضربه في وقتٍ لاحق ضربةً أخرى فقتله، وفي مثل هذا الفرض لا يتداخل القصاص بل يكون الجاني مستحقَّاً لقصاص الجرح أولاً ثم يُقاد منه فيُقتل قصاصاً للنفس.
والمستند في ذلك هو إطلاقات الأدلَّة التي نصَّت على استحقاق الجاني للقصاص عن كلِّ جناية جناها، فإذا كان قد جرح ثم قطع ثم قتل في أزمنة متفرِّقة، فإنَّ مقتضى إطلاقات الأدلَّة هو استحقاقه للجرح والقطع والقتل، إذ أنَّ مقتضى إطلاقات الأدلة هو عدم الفرق بين كون المجنيِّ عليه متعدِّدا أو متَّحداً، ومقتضى الإطلاقات هو عدم الفرق بين أخذ القصاص بعد كلِّ جناية أو عدم تخلُل القصاص بعد كلِّ جناية.
وأمَّا ما يُقال مِن أنَّ ذلك منافٍ لما ورد في صحيحة أبي عبيدة مِن تداخل القصاص حتى مع فرض تعدُّد الضربات فإنَّه يُقال إنَّ موضوع تداخل القصاص في صحيحة أبي عبيدة هو تتابع الضربات كما يظهر ذلك من قوله (ع): "فَإِنْ ضَرَبَه ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ فَجَنَيْنَ ثَلَاثَ جِنَايَاتٍ أَلْزَمْتُه جِنَايَةَ مَا جَنَتِ الثَّلَاثُ ضَرَبَاتٍ كَائِنَةً مَا كَانَتْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا الْمَوْتُ فَيُقَادَ بِه ضَارِبُه" فموضوع الحكم بالتداخل في الصحيحة هو ضرب المجنيِّ عليه واحدة بعد واحدة، وهو ظاهر في التتابع، والحال أنَّ فرض المسألة هو تعدد الضربات في أزمنة متفرقة، فلا تصلح الصحيحة لتقييد إطلاقات الأدلة التي تقتضي ثبوت القصاص عن كلِّ جناية.
الفرض الثالث: أن يكون الجرح والقتل بضربتين متتاليتين كأنْ يضربه فيقطع يده أو يشجُّه ثم يتبع الضربة الأولى بضربةٍ أخرى فيقتله بها، فهل يتداخل القصاص في هذا الفرض؟
وقع الخلاف بين الأعلام في ذلك(7) فمقتضى صحيحتي محمد بن قيس، وحفص بن البختري هو عدم التداخل: كما هو ظاهر قوله (ع) في صحيحة حفص: "إنْ كان ضربه ضربةً بعد ضربةٍ اقتُصَّ منه ثم قُتل" وكذلك هو ظاهر قوله (ع) في صحيحة محمد بن قيس: "إِنْ كَانَ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ اقْتُصَّ مِنْه ثُمَّ يُقْتَلُ" فإنَّ التفريق يصدق حتى في فرض التتابع، فمن ضرب ثم ضرب فإنَّه فرَّق، ويؤكِّد هذا الاستظهار قوله (ع) بعد هذه الفقرة: "وإِنْ كَانَ ضَرَبَه ضَرْبَةً وَاحِدَةً ضُرِبَتْ عُنُقُه ولَمْ يُقْتَصَّ مِنْه" فالمقابل للتفريق هو الضربة الواحدة، ومع عدم القبول بظهورها في الشمول لفرض التتابع بين الضربتين فإنَّه يكفي للدلالة على عدم التداخل حتى في فرض التتابع ما ورد في صحيحة حفص فإنَّها شديدة الظهور في الشمول لفرض تتابع الضربتين وعدم اعتبار الفاصلة الزمنية في ثبوت عدم التداخل في القصاص، نعم هي معارضة بصحيحة أبي عبيدة والتي هي ظاهرة في التداخل مع تتابع الضربتين أو الضربات، وهذا هو منشأ الخلاف بين الفقهاء.
إلا أنَّ الصحيح هو البناء على عدم التداخل، لأنَّه بعد استحكام التعارض بين الصحيحتين وبين صحيحة أبي عبيدة يكون المرجع هو مرجِّحات باب التعارض، وهي تقتضي ترجيح مؤدَّى الصحيحتين لموافقتهما لإطلاقات الكتاب المجيد والتي أفادت أنَّ لكل جراحةٍ وجناية قصاصاً كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾(8) فمَن فقأ عيناً وجدع أنفاً وقَتل، فُقئت عينُه، وجُدع أنفه وقُتل سواءً كان المجنيُ عليه متعدِّداً أو متَّحداً، وسواءً تخلَّل بين هذه الجنايات الثلاث وقتٌ أو وقع بعضها في إثر بعض، فإطلاقات الكتاب المجيد مقتضية لعدم التداخل، لذلك يكون الترجيح لمؤدَّى صحيحتي محمد بن قيس، وحفص بن البختري.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
3 / ذي القعدة / 1447ه
20 / أبريل / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص62.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص325، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص367.
3- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج42 / ص25.
4- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص62.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص326، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص112.
6- تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج10 / ص253، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص112.
7- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص62.
8- سورة المائدة / 45.