إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل رجلٍ واحد
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل رجلٍ واحد فهل يحقُّ لولي المقتول المطالبة بقتلهم جميعاً أو ليس له أن يقتل بقتيله إلا أحد المشتركين في قتله؟
الجواب:
الظاهر أنَّه لم يقع خلاف بين الفقهاء(1) في استحقاق وليِّ المقتول في المطالبة بقتل جميع مَن اشترك في قتل وليِّه، كما أنَّ له الحقَّ في المطالبة بقتل بعضهم دون البعض الآخر إلا أنَّه إذا اختار قتلهم جميعاً كان عليه أداء ما يزيد من دية كلٍ واحدٍ على مقدار جنايته يدفع ذلك الفاضل إلى أولياء القاتل المقتصِّ منه، فلو اشترك اثنان في قتل رجلٍ فإنِّ لولي المقتول المطالبة بقتلهما معاً ولكنَّه مطالبٌ في هذا الفرض بأنْ يُعطي وليَّ كلٍّ من القاتلين نصف ديته، ولو كان المشتركون في القتل ثلاثة وطالب وليُّ المقتول بقتلهم جميعاً فإنَّ عليه إعطاء وليِّ كل واحد من الثلاثة ثلثي الدية. لأنَّ جناية كلِّ واحد من الثلاثة بمقدار الثلث فيستحقُّ ما يزيد عن مقدار جنايته وهو الثلثان في المثال.
ولو اختار وليُّ المقتول قتل بعض المشتركين في القتل دون البعض الآخر فإنَّ له ذلك، وفي مثل هذا الفرض يتعيَّن على الباقي من المشتركين في القتل أداء دية ما زاد على جناية شريكهم إلى وليِّ القاتل، فلو اشترك اثنان في قتل رجلٍ واحد فإنَّ لوليِّ المقتول المطالبة بقتل واحدٍ منهما ويكون على الثاني إعطاء وليِّ شريكه نصف الدية، ولو كان المشتركون ثلاثة واختار الولي قتل واحدٍ منهم كان على الشريكين إعطاء وليِّ شريكهم ثلثي الدية كلٌّ منهما يدفع ثلث الدية، ولو اختار الولي قتل اثنين منهم كان على الثالث أنْ يدفع ثلث الدية إلى أولياء المقتصِّ منهما، ويجب على وليِّ المقتول أنْ يدفع إليهما الباقي بحيث يصل إلى كلِّ واحد من أولياء القاتلين المقتصِّ منهما ثلثا الدية لأنَّ ذلك هو مقدار ما يزيد على مقدار جنايته.
والمستند في كلِّ ذلك رواياتٌ عديدة وردت عن أهل البيت (ع):
منها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلاً؟ قَالَ: "إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ قَتْلَهُمَا أَدَّوْا دِيَةً كَامِلَةً وقَتَلُوهُمَا، وتَكُونُ الدِّيَةُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولَيْنِ، فَإِنْ أَرَادُوا قَتْلَ أَحَدِهِمَا فَقَتَلُوه أَدَّى الْمَتْرُوكُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ وإِنْ لَمْ يُؤَدِّ دِيَةَ أَحَدِهِمَا ولَمْ يَقْتُلْ أَحَدَهُمَا قَبِلَ الدِّيَةَ صَاحِبُه مِنْ كِلَيْهِمَا"(2).
أقول: قوله (ع): "إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ قَتْلَهُمَا أَدَّوْا دِيَةً كَامِلَةً وقَتَلُوهُمَا" دلَّ على جواز قتل كلٍّ من المشتركين في القتل، وأنَّ على أولياء المقتول إذا اختاروا قتل المشتركين في القتل أنْ يؤدُّوا لأولياء كلٍّ من القاتلين ما يفضل عن مقدار جنايته، فحيثُ إنَّ نصيب كلِّ واحد من القاتلين هو نصف الجناية لذلك يستحقُّ أولياء كلٍّ منهما نصف الدية، وكذلك دلَّت الرواية على أنَّ أولياء المقتول لو اختاروا قتل أحد القاتلَين دون الآخر فإنَّ لهم ذلك، ويكون على شريكه أن يُؤدٍ نصف الدية لأولياء القاتل المقتصِّ منه.
ومنها: صحيحة ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا قَتَلَ الرَّجُلَانِ والثَّلَاثَةُ رَجُلاً فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُه قَتْلَهُمْ تَرَادُّوا فَضْلَ الدِّيَاتِ وإِلَّا أَخَذُوا دِيَةَ صَاحِبِهِمْ"(3).
أقول: وهذه الرواية صالحةٌ أيضاً لإثبات استحقاق أولياء المقتول المطالبة بقتل جميع مَن أشترك في قتل وليِّهم، غايته أنَّ عليهم الأداء لما يزيد على جناية كلِّ واحد منهم، فإذا كانوا ثلاثة كان نصيب كلِّ شريك في القتل ثلث الجناية فيستحقُّ ثلثي الدية، ولهذا يكون على أولياء المقتول إذا اختاروا قتل الثلاثة أنْ يؤدُّوا لكلِّ شريكٍ في القتل ثلثي ديته.
ومنها: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي عَشَرَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ: يُخَيَّرُ أَهْلُ الْمَقْتُولِ فَأَيَّهُمْ شَاؤُوا قَتَلُوا، ويَرْجِعُ أَوْلِيَاؤُه عَلَى الْبَاقِينَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الدِّيَةِ"(4).
أقول: يعني أنَّ لأولياء المقتول أنْ يختاروا قتل واحدٍ من العشرة، وحينئذٍ يكون على شركاء القاتل المقتصِّ منه أن يؤدُّوا إلى أوليائه تسعة أعشار الدية، فيؤدِّي كلُّ واحدٍ -من التسعة- عُشر الدية إلى أولياء شريكهم المقتصِّ منه.
ومنها: موثقة الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ (ع): عَشَرَةٌ قَتَلُوا رَجُلاً؟ فَقَالَ: "إِنْ شَاءَ أَوْلِيَاؤُه قَتَلُوهُمْ جَمِيعاً وغَرِمُوا تِسْعَ دِيَاتٍ، وإِنْ شَاؤُوا تَخَيَّرُوا رَجُلاً فَقَتَلُوه وأَدَّى التِّسْعَةُ الْبَاقُونَ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ الأَخِيرِ عُشْرَ الدِّيَةِ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْوَالِيَ بَعْدُ يَلِي أَدَبَهُمْ وحَبْسَهُمْ"(5).
أقول: تدلُّ هذه الرواية أيضاً على أنَّ لأولياء المقتول اختيار القصاص مِن جميع مَن اشترك في قتل وليِّهم إلا أنَّ عليهم أنْ يغرموا لأولياء العشرة تسعَ ديات، فيُعطى كلُّ واحدٍ من أولياء العشرة تسعةَ أعشار الدية، ولو اختاروا قتل واحدٍ من العشرة كان على التسعةِ الباقين أنْ يُعطوا أولياء شريكهم تسعةَ أعشار الدية فيكون على كلِّ واحد من التسعة عُشرُ الدية.
ومنها: صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجلين قتلا رجلاً؟ قال: "إنْ شاء أولياءُ المقتول أن يُؤدُّوا ديةً ويقتلوهما جميعاً قتلوهما"(6).
أقول: معنى قوله (ع): "أنْ يؤدُّوا دية" هو أنْ يعطوا أولياء القاتل الأول نصفَ الدية لكونه ارتكب نصف الجناية، ويُعطوا أولياء القاتل الثاني نصف الدية فيكون مجموع ما يؤدُّونه لأولياء القاتلَين ديةً كاملة.
فهذه الروايات تدلُّ على ما أجمع الفقهاء على الفتوى به إلا أنَّ في مقابل ذلك ثمة رواية الْقَاسِمِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وغَيْرِه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: إِذَا اجْتَمَعَتِ الْعِدَّةُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَكَمَ الْوَالِي أَنْ يُقْتَلَ أَيُّهُمْ شَاؤُوا، ولَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّه سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾"(7).
وهذه الرواية معتبرة من حيثُ السند، فالقاسم بن عروة وإنْ لم يرِد فيه توثيقٌ صريح إلا أنَّه يكفي للبناء على وثاقته أنَّه من مشايخ ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، فالرواية معتبرة من حيث السند إلا أنَّه قد يُقال بسقوطها عن الحجيَّة لإعراض المشهور عن العمل بمضمونِها، ومع البناء على عدم سقوطها في نفسها عن الحجيَّة، فإنَّه يتعيَّن -بعد استحكام التعارض بينها وبين الروايات السابقة- الرجوعُ لمرجِّحات باب التعارض، وهي تقتضي الترجيح للروايات السابقة، وحملُ رواية القاسم على التقية لموافقتها لمذهب بعض العامَّة كما أفاد الشيخ الطوسي في الاستبصار(8).
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
4 / ذي القعدة / 1447ه
22 / أبريل / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص66.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42.
3- الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص282، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43.
5- الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43.
6- من لا يحضره الفقيه -الصدوق -ج4 / ص111، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص41.
7- الكافي -الكليني- ج7 / ص285، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43.
8- الاستبصار -الشيخ الطوسي- ج4 / ص282، جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص68.