إذا اشترك الأب وأجنبي في قتل ابنه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا اشترك الأبُ وأجنبيٌّ في قتل ابنه فهل لوليِّ المقتول أنْ يقتصَّ من الأجنبي دون الأب لأنَّ الأب لا يُقتل بابنه أو يسقط القصاص عنهما في هذا الفرض وتثبت الدية؟ وماذا لو اشترك رجلٌ وصبيٌّ في قتل رجل أو اشترك رجلٌ وحيوان في قتل رجلٍ؟
الجواب:
إذا اشترك الأبُ وآخرُ أجنبيٌّ في قتل ابنه فإنَّ لوليِّ المقتول -كابن المقتول- القصاص من الأجنبي، ويجب في هذا الفرض على الأب الشريكِ في القتل أنْ يؤدي لأولياء شريكه القاتل نصف ديته، وإذا اختار وليُّ المقتول عدمَ القصاص من الأجنبي كان على كلٍّ من الأب والأجنبي أداءُ الدية لوليِّ المقتول فيؤدِّي كلٌّ منهما نصفَ الدية.
أمَّا استحقاق وليِّ المقتول للقصاص من الأجنبي فلِما ثبت من أنَّ له أنْ يقتصَّ من الشريك في قتل وليِّه، فقد ورد في الروايات عن أهل البيت (ع) أنَّه إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل رجلٍ فلوليِّ المقتول أن يقتصَّ منهم جميعاً كما أنَّ له اختيار القصاص من بعضهم دون البعض الآخر، وقد فصلنا ذلك في مقالٍ سابق تحت عنوان إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل رجلٍ واحد.
عدم استحقاق الأب للقصاص بقتل ابنه:
وأمَّا عدم جواز القصاص من الأب فلِما ورد من أنَّ الأب لا يُقاد بابنه، فمِن ذلك ما ورد في صحيحة حُمْرَانَ عَنْ أَحَدِهِمَا (ع) قَالَ: لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِه، ويُقْتَلُ الْوَلَدُ إِذَا قَتَلَ وَالِدَه عَمْداً"(1).
ومنه: صحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الرَّجُلِ يَقْتُلُ ابْنَه أيُقْتَلُ بِه قَالَ: لَا"(2).
ومنه: موثَّقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنَّ عليَّاً (عليه السلام) كان يقول: "لا يُقتل والدٌ بولده إذا قتلَه، ويُقتل الولدُ بالوالد إذا قتلَه ، ولا يحدُّ الوالدُ للولد إذا قذفَه، ويُحدُّ الولدُ للوالد إذا قذفَه"(3).
فالأب بمقتضى مثل هذه الروايات وغيرها لا يُقتل بابنه إلا أنَّ سقوط حقِّ القصاص عن أحد الشريكين -الأب- لا ينفي استحقاق الشريك الآخر للقصاص بعد أن نصَّت الرواياتُ على أنَّ القاتل مستحقٌّ للقصاص سواءً استند القتلُ إليه مستقلاً أو بنحو الاشتراك.
نعم يتعيَّن على الأب المشترِك في قتل ابنه أنْ يؤدِّي نصفَ دية شريكه المقتصِّ منه إذا اختار أولياءُ المقتول القصاص من الشريك، وذلك للروايات التي نصَّت على أنَّ على الشريك أنْ يؤدِّي من الدية ما يُساوي مقدار جنايته، فحيث إنَّه ارتكب نصف جناية القتل في مفروض المسألة، لذلك يجبُ عليه أنْ يؤدِّي نصفَ الدية لأولياء القاتل المقتصِّ منه . كما نصَّت على ذلك الروايات التي استعرضناها في مقالٍ سابق تحت عنوان: إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل رجلٍ واحد.
وجوب الدية على الأب بقتل ابنه:
وإذا اختار أولياءُ المقتول عدم القصاص لشريك الأب في القتل كان على كلٍّ من الأب وشريكه أداءُ الدية الكاملة لأولياءِ المقتول، فيكون على كلِّ واحدٍ منهما نصفُ الدية، فالأبُ وإن لم يكن يُقاد بابنه ولكنَّ ذاك لا ينفي عنه وجوب دفع الدية، إذ لم تنفِ الروايات عنه وجوب دفع الدية وإنَّما نفت عنه القصاص فيكون شأنه شأن كلِّ أحد قتل مسلماً أو شارك في قتل مسلم، وذلك للإطلاقات التي دلَّت على أنَّ القاتل مطالبٌ بالدية في قتل الخطأ أو وفي قتل العمد إذا اختار الوليُّ الدية دون القصاص.
ويؤكد ذلك ما ورد في معتبرة ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: "وقضى أنَّه لا قوَد لرجلٍ أصابه والدُه في أمرٍ يعيبُ عليه فيه، فأصابَه عيبٌ من قطعٍ وغيره ويكونُ له الدية، ولا يُقاد"(4).
فمفاد الرواية أنَّ الأب إذا جنى على ولده بجنايةٍ دون القتل فإنَّه لا يُقتصُّ منه ولكنَّ عليه دية جنايته، وعليه فإذا كان الابن يستحقُّ على أبيه دية الجرح أو القطع فاستحقاقُه لدية النفس أولى وأوضح.
إذا اشترك رجل وصبي في قتل رجل:
وممَّا ذكرناه يتضح الحال فيما لو اشترك رجلٌ وصبيٌّ في قتل رجل فإنَّ سقوط القصاص عن الصبي لا ينفي استحقاق شريكه في القتل للقصاص بعد أنْ كان واجداً للشرائط المعتبرة في القصاص، وكذلك يتَّضح الحال فيما لو اشترك رجلٌ وحيوان دون أن يغريه في قتل رجلٍ مسلم فإنَّ انتفاء القصاص عن الشريك لكونه حيواناً لا ينفي حقَّ القصاص عن شريكه.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
5 / ذي القعدة / 1447ه
23 / أبريل / 2026م
1- الكافي -الكليني- ج7 / ص297، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص77.
2- الكافي -الكليني- ج7 / ص298، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص77.
3- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص79.
4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص79.