كيفيَّة تحقُّق الاشتراك في القتل المصحِّح للقصاص
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
كيف يتحقَّق الاشتراك في القتل المصحِّح للقصاص من جميع المشتركين؟
الجواب:
تتحقق الشركة في القتل باشتراك اثنين أو أكثر في فعلِ ما يقتلُ لو صدر من واحدٍ باستقلاله كما لو حمل اثنان أو أكثر رجلاً وألقوه من شاهقٍ أو في البحر أو في النار فمات من ذلك الفعل فإنَّ القتل في هذا الفرض مستندٌ للمجموع، فإنَّ هذا الفعل لو صدر من واحدٍ لكان قاتلاً فكذلك لو صدر من اثنين أو أكثر فإنَّ القتل يكون مستنداً عرفاً لمجموعهم، وكذلك لو جرحه كلُّ واحد منهم جراحةً قاتلة في عرضٍ واحد فإنَّ القتل يكون مستنداً للمجموع، وهكذا لو وضعوا له سمَّاً في الطعام وقدَّموه له مجتمعين فأكله فمات فإنَّ القتل يكون مستنداً للجميع.
وتتحقَّق الشركة في القتل أيضاً في فرض قيام اثنين أو أكثر بجرح رجلٍ كلٌّ منهم بجراحة فيتفق سراية هذه الجراحات فتؤدِّي إلى موته بحيث يستند موتُه إلى سراية مجموع هذه الجراحات، ففي مثل هذا الفرض يكون القتل مستنداً للمجموع. حتى لو كانت جراحة أحدهم أبلغ من جراحة الباقين إلا أنَّه حيث استند الموت إلى مجموع الجراحات فإنَّ القتل يُصبح مستنداً للمجموع، فيكون المجموع مستحقاً للقصاص إذا اختار الوليُّ ذلك.
وكذلك يتحقُّق الاشتراك في القتل في فرض أنَّ الاعتداء من كلٍّ من المشتركين لو خلِّي ونفسه لما أدَّى للقتل ولكنَّه حيث وقع مشتركاً مع اعتداء مَن معه لذلك وقع القتل، ففي مثل هذا الفرض يكون القتل مستنداً للمجموع حتى لو كانت جنايةُ البعض أشدَّ من جناية البعض الآخر إلا أنَّه حيث استند موتُه لجناياتِ المجموع لذلك يكون القتلُ مشتركاً بينهم.
لا يقال إنَّ جناية كلِّ واحدٍ ليست قاتلة فكيف يُستند القتل لفاعلها؟
فإنَّه يقال إنَّ القتل لم يُسند له وحده وإنَّما استند للمجموع، وقد نصَّت الروايات المستفيضة (1) على أنَّ القتل إذا استند إلى اثنين أو أكثر فإنَّ لوليِّ المقتول المطالبة بالقصاص من المجموع على أنْ يؤدِّي دية ما يزيد على جناية كلِّ واحدٍ من المشتركين، فلو كان المشتركون في القتل اثنين فإنَّ لوليِّ المقتول المطالبة بالقصاص منهما معاً على أنْ يؤدي لوليِّ كلٍّ منهما نصفَ الدية، ولو كانوا ثلاثة فإنَّ له المطالبة بقتلهم جميعاً على أنْ يؤدِّي لأوليائهم ما يفضل عن مقدار جناية كلِّ واحدٍ منهم فيلزمه أنْ يُعطي أولياء كلِّ واحدٍ من الثلاثة ثلثي الدية، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد ارتكب ثلث جناية القتل فيكون لأوليائه ثلثا الدية، ولا يلاحظ في ذلك أنَّ جراحة أحدهم للقتيل أبلغ من جراحتي شريكيه أو مساوية فإنَّ القتل حيث استند للمجموع فإنَّ القتل يكون مستحَقَّاً على المجموع، ومقدار ما يُعطى أولياؤهم من الدية يكون بنحو التساوي أي أنَّ جناية القتل تسندُ للمجموع بنحو التساوي.
إذا كامن الجنايات طوليَّة:
هذا وقد وقع البحث في أن الاشتراك في القتل هل يتحقَّق لو كانت الجنايات طوليَّة ووقع الموت عند الجناية الأخيرة كما لو ضرب أحدُهم رجلاً ضربةً ليست قاتلة وضربه الثاني بعده ضربةً غير قاتلة، وجاء بعده الثالث فضربه ضربةً غير قاتلة ثم جاء الرابع بعد الثلاثة فضربه ضربةً فمات عندها أو بعدها بوقت يسير، فهل يكون القتل مشتركاً في هذا الفرض أو أنَّه يكون مستنداً للأخير؟
والجواب أنَّ مناط صدق القتل المشترك هو استناد القتل للمجموع عرفاً فحتى لو مات القتيل عند الضربة الأخيرة فإنَّه قد يكون القتل مستنداً للمجموع، فلا يُقال إنَّ الضربة الأولى لم تكن قاتلة وأنَّه لولا الضربة الرابعة لما مات الرجل فإنَّه يُقال إنَّ الضربة الرابعة أيضاً لم تكن قاتلة بطبعها -بحسب الفرض- فلولا الضربة الأولى وما لحقها لما مات من الضربة الربعة، فالقتل إنَّما استند لمجموع الضربات الأربع لذلك لا يبعدُ أنْ يكون هذا الفرض من القتل المشترك.
نعم لولم تكن الضربات مترادفة وضُرب من قِبل واحدٍ أو اثنين أو ثلاثة فأصابه الإعياء أو اثخن ولكن ظلَّت حياته مستقرَّة فجاء رجل فأجهز عليه، فهنا يكون القتل مستنداً للأخير عرفاً رغم أنَّ الرجل لولم يكن مريضاً أو مثخناً لما قتلته ضربةُ الأخير إلا أنَّ العرف لا يُسنِدُ القتل في هذا الفرض إلا للأخير. ومع الشك يتعيَّن عدم استحقاق الجناة غير الأخير للقتل، وذلك للشك في تحقُّق موضوع القصاص وهو استناد القتل إليهم، وأما الأخير فهو مستحقٌّ للقصاص على أيِّ تقدير، لأنَّه إما أنْ يكون القتل مستنداً إليه بنحو الاستقلال أو بنحو الاشراك، وهذا بخلاف الأوليين فإنَّ القتل ليس مستنداً قطعاً لأيٍّ منهم بنحو الاستقلال، وأما استناده إليهم بنحو الاشتراك فهو مشكوك، لذلك لا يصحُّ ترتيب الحكم وهو القصاص مع الشك في تحقُّق الموضوع.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
7 / ذي القعدة / 1447ه
25 / أبريل / 2026م
1- مثل صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلاً؟ قَالَ: "إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ قَتْلَهُمَا أَدَّوْا دِيَةً كَامِلَةً وقَتَلُوهُمَا، وتَكُونُ الدِّيَةُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولَيْنِ، فَإِنْ أَرَادُوا قَتْلَ أَحَدِهِمَا فَقَتَلُوه أَدَّى الْمَتْرُوكُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ وإِنْ لَمْ يُؤَدِّ دِيَةَ أَحَدِهِمَا ولَمْ يَقْتُلْ أَحَدَهُمَا قَبِلَ الدِّيَةَ صَاحِبُه مِنْ كِلَيْهِمَا" الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42. وصحيحة ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا قَتَلَ الرَّجُلَانِ والثَّلَاثَةُ رَجُلاً فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُه قَتْلَهُمْ تَرَادُّوا فَضْلَ الدِّيَاتِ وإِلَّا أَخَذُوا دِيَةَ صَاحِبِهِمْ" الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42. وصحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي عَشَرَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ: يُخَيَّرُ أَهْلُ الْمَقْتُولِ فَأَيَّهُمْ شَاؤُوا قَتَلُوا، ويَرْجِعُ أَوْلِيَاؤُه عَلَى الْبَاقِينَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الدِّيَةِ" الكافي -الكليني- ج7 / ص282، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43. وموثقة الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ (ع): عَشَرَةٌ قَتَلُوا رَجُلاً؟ فَقَالَ: "إِنْ شَاءَ أَوْلِيَاؤُه قَتَلُوهُمْ جَمِيعاً وغَرِمُوا تِسْعَ دِيَاتٍ، وإِنْ شَاؤُوا تَخَيَّرُوا رَجُلاً فَقَتَلُوه وأَدَّى التِّسْعَةُ الْبَاقُونَ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ الأَخِيرِ عُشْرَ الدِّيَةِ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْوَالِيَ بَعْدُ يَلِي أَدَبَهُمْ وحَبْسَهُمْ" الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43.