إذا مات المسلم في عرض البحر
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا مات المسلم في عرض البحر فكيف يصنع به، وهل يجوز التحفُّظ عليه دون تجهيز إلى حين الوصول إلى البر ليدفن فيه؟
الجواب:
إذا مات المسلم في عرض البحر ولم يكن من الممكن الانتظار به إلى حين الوصول إلى البرِّ ليُدفن في الأرض فهنا يتعيَّن تجهيزه بما يُجهَّز به موتى المسلمين ويُصلَّى عليه ثم يُلقى في البحر، وهذا المقدار لم يقع مورداً للخلاف بين الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم بل أفاد صاحب الجواهر أنَّ عليه الإجماع بقسميه المحصَّل والمنقول(1) مضافاً للروايات الواردة في هذا الشأن عن أهل البيت (ع) والتي سنذكرها أو بعضها إنْ شاء الله تعالى.
الخلاف في كيفية إلقائه في البحر:
نعم وقع البحث في كيفيَّة إلقائه في البحر بعد تجهيزه والصلاة عليه، فالمشهور بين الفقهاء(2) هو التخيير بين تثقيله بحجر أو حديدٍ حتى يرسب في الماء فلا يطفو وبين وضعه في خابية أو نحوها وإغلاقها ثم إلقائه في الماء، والخابية هي جرَّة فخارية كبيرة تُتَّخذ لتخزين الماء أو الزيت، أو المؤن كالحبوب والتمور وغيرها وهي بطبعها ثقيلة ترسبُ في الماء، فهي ليست كالصندوق الخشبي الذي يطفو على الماء.
وفي مقابل ما عليه المشهور من البناء على التخيير نُسب للشيخ الطوسي في الخلاف البناء على تعيُّن وضع الميت في خابية وإلقائه في البحر بعد تجهيزه والصلاة عليه، ومال إلى ذلك صاحب المدارك والفاضل الهندي في كشف اللثام والسيدعلي الطبأطبائي في الرياض كما أفاد ذلك صاحب الجواهر(3).
مستند تعيُّن وضعه في خابية:
والظاهر أنَّ المستند في ذلك هو صحيحة أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع) عَنْ رَجُلٍ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ كَيْفَ يُصْنَعُ بِه؟ قَالَ: "يُوضَعُ فِي خَابِيَةٍ ويُوكَى رَأْسُهَا ويُطْرَحُ فِي الْمَاءِ"(4).
وظاهر هذه الصحيحة هو تعيُّن هذه الكيفيَّة بمقتضى الاقتصار عليها في مقام بيان الكيفية إلا أنَّه ورد في مقابل ذلك رواياتٌ عديدة أفادت أنَّ الكيفية هي تثقيل الميِّت بمثل وضع حجرٍ وشبهه في رجليه وإلقائه في الماء.
فمن ذلك رواية أبي البختري وهب بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "إذا مات الميِّت في البحر غُسِّل وكُفِّن وحُنِّط، ثم يُصلَّى عليه، ثم يوثق في رجليه حجرٌ ويُرمى به في الماء"(5).
ومنها: مرسلة أَبَانٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) أَنَّه قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ مَعَ الْقَوْمِ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ: "يُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلَّى عَلَيْه، ويُثْقَلُ ويُرْمَى بِه فِي الْبَحْر"(6).
ومنها: مرفوعة سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ رَفَعَه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ فِي السَّفِينَةِ ولَمْ يُقْدَرْ عَلَى الشَّطِّ؟ قَالَ: يُكَفَّنُ ويُحَنَّطُ ويُلَفُّ فِي ثَوْبٍ ويُلْقَى فِي الْمَاءِ"(7).
ومنها: ما ورد في الفقه الرضوي قال: " فإنْ مات في سفينة فاغسله وكفِّنه وثقِّل رجليه، وألقِه في البحر"(8).
مستند المشهور وجوابه:
ومقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين من الروايات هو التخيير، وذلك برفع اليد عن ظهور كلٍّ منهما في التعيين، إذ أنَّ كلَّ طائفةٍ تكون قرينةً على عدم إرادة التعيين من مفاد الطائفة الأخرى، وهذا هو مستندُ المشهور -ظاهراً- في البناء على التخيير.
إلا أنَّ ما يرد على مذهب المشهور هو أنَّ جميع روايات الطائفة الثانية ضعيفة السند، فأبو البختري وهو وهب بن وهب ضعيف بل نسب لابن شاذان أنَّه وصفه بأنَّه أكذب البريَّة(9) والرواية الثانية والثالثة ضعيفتان بالإرسال، وأمَّا ما ورد في الفقه الرضوي فلم يثبت أساساً أنه رواية، وعلى تقدير أنَّها رواية فهي مرسلة، وبذلك لا تصل النوبة للجمع العرفي بين الطائفتين، لأنَّ الجمع الدلالي بين الروايات متفرعٌ عن وجدانها لشرائط الحجيَّة، والأمر ليس كذلك، فرواياتُ الطائفة الثانية فاقدةٌ جميعها للحجيَّة، ولهذا يكون المتعيَّن هو البناء على ما أفاده الشيخ الطوسي من تعيُّن الاقتصار على الكيفيَّة الأولى، وهي وضع الميِّت في خابية أو شبهها وإلقائه في البحر إلا مع تعذُر تحصيل الخابية أو شبهها، ففي مثل هذا الفرض لا مانع من إلقائه في البحر بعد تثقيله، وذلك ليس استناداً للروايات المذكورة بل إنَّه مقتضى تكريم الميت وعدم تعريضه للهتك بتركه دون تجهيز أو تركه يطفو على الماء.
قد يُقال إنَّ روايات الطائفة الثانية وإنْ كانت ضعيفةَ السند إلا أنَّها ليست فاقدةً للحجيَّة، وذلك لعمل المشهور بمضمونها وهو ما يُصحِّح اعتمادها إلا أنَّه يُقال إنَّ من غير المُحرز استناد المشهور إليها، فلعلَّ مستندَهم في التخيير هو أنَّهم استظهروا من صحيحة أيوب عدم الخصوصيَّة لوضع الميِّت في خابية وأنَّ منشأ الأمر بوضعه في خابية هو تثقيلُه حتى لا يطفو جثمانه على الماء. وعليه لا يُمكن الجزم أو الاطمئنان بأنَّ بناءهم على التخيير نشأ عن استنادهم لروايات الطائفة الثانية ليكون ذلك جابراً لضعفها.
وأما أنَّه هل يجوز إلقاء الميِّت في البحر لمجرَّد موته في عرض البحر أو أنَّ ذلك مراعى بعدم إمكان تأخيره إلى حين الوصول إلى البر كما لو كان ذلك موجباً لهتكه، فالظاهر هو أنَّ الجواز مختصٌّ بهذا الفرض، فلا يجوز إلقاؤه في البحر إذا أمكن -دون محذور- التحفظ عليه إلى حين الوصول به إلى البر، فإنَّ ذلك هو المستظهَر من مفروض سؤال السائل في صحيحة أيوب: " كيف يُصنع به" إذ لا وجه للسؤال لو كان من المُتاح دون محذور دفن الميِّت في الأرض، فإنَّ الميت إذا مات فإنَّه يُصنع به كما يصنع بسائر الموتى، فالسؤال ظاهراً إنما نشأ عن أنَّ من غير المتاح دفنَه في الأرض كما يُفعل بالموتى وذلك للعلم بطول البقاء في عرض البحر ممَّا يوجب هتك هذا الميت وفساد جثمانه، فمناسبات الحكم والموضوع تقتضي استظهار أنَّ موضوع جواز الإلقاء في البحر هو عدم امكان الانتظار به إلى حين الوصول به إلى البر. ويؤكد ذلك ما ورد في مرفوعة سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ رَفَعَه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ فِي السَّفِينَةِ ولَمْ يُقْدَرْ عَلَى الشَّطِّ؟ قَالَ: يُكَفَّنُ ويُحَنَّطُ ويُلَفُّ فِي ثَوْبٍ ويُلْقَى فِي الْمَاءِ".
والحمد لله رب العالمين
الشيخ محمد صنقور
8 / ذي القعدة / 1447ه
26 / أبريل / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج4 / ص292.
2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج4 / ص293، رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج2 / ص211.
3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج4 / ص293، رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج2 / ص211.
4- الكافي -الكليني- ج3 / ص213، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص206.
5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص206.
6- الكافي -الكليني- ج3 / ص214، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص207.
7- الكافي -الكليني- ج3 / ص214، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص207.
8- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص345.
9- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) -الشيخ الطوسي- ج2 / ص597.