إذا اشتركت امرأتان أو أكثر في قتل رجل
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
إذا اشتركت امرأتان أو أكثر في قتل رجل فهل لولِّي المقتول المطالبة بقتلهنَّ جميعاً؟ وماذا لو اشترك رجلٌ وامرأة في قتل رجلٍ عمداً؟
الجواب:
الاشتراك في القتل العمدي مصحِّحٌ للقصاص بالقتل من جميع المشتركين سواءً كان المشتركون في القتل رجالاً أو نساءً أو كان بعضهم من الرجال والبعض الآخر من النساء، وذلك للروايات المستفيضة التي نصَّت على ذلك(1) فهي وإنْ كانت متصدِّية لبيان حكم اشتراك رجلين أو أكثر في قتل رجلٍ إلا أنَّ المستظهَر منها هو أنَّ الموضوع المصحِّح للقصاص هو الاشتراك في القتل العمدي بقطع النظر عن كون المشتركين في القتل رجلين أو امرأتين أو رجلاً وامرأة أو غير ذلك من الفروض.
هذا وقد وردت روايةٌ في اشتراك امرأتين في قتل رجلٍ وهي رواية محمد بن مسلم قال: سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأتين قتلتا رجلاً عمداً؟ قال: يُقتلان به، ما يختلفُ في هذا أحد"(2) والرواية معتبرة، إذ لا إشكال في سندها إلا من جهة محمد بن عبد الله بن هلال الهاشمي، فهو لم يرد فيه توثيق صريح إلا أنَّه من المعاريف، ولذلك فالسند قويٌّ كالصحيح. وعلى أيِّ تقدير فإنَّه يكفي لصحَّة المطالبة بالقصاص في فرض كون المشتركين في القتل نساءُ الرواياتُ المستفيضة التي أشرنا إلى بعضها في الهامش.
إذا اشتركت امرأتان أو أكثر في قتل رجلٍ:
ثم إنَّه إذا اختار وليُّ المقتول القصاص من المشركين في قتل وليِّه من النساء فتارةً يشتركُ في قتل وليِّه الرجل امرأتان، وتارة يشترك في قتله أكثرُ من امرأتين
ففي الفرض الأول يكون له حقُّ المطالبة بالقصاص من المرأتين معاً ولا يكون لأوليائهما ردٌّ، وذلك لأنَّ نصيب كلِّ واحدةٍ من جناية القتل هو النصف، وهو يساوي نصف دية الرجل، فمع قتلها تكون قد استوفت مقدار ديتها، فلا يكون على وليِّ المقتول أنَّ يردَّ شيئاً من ديتها على أوليائها.
ولو كان المشتركات في قتل الرجل ثلاث نساء فإنَّ لوليِّ المقتول الحقَّ في المطالبة بقتلهنَّ جميعاً إلا أنَّه لو اختار ذلك كان عليه قبل قتلهنَّ أنْ يرد إلى أوليائهن ما يفضلُ عن مقدار جناية كلِّ واحدةٍ منهن، فحيث أنَّ لمجموعهنَّ ديةً ونصف الدية وجنايتهنَّ بمقدار ديةٍ كاملة فلأوليائهنَّ نصف الدية يقتسمونها أثلاثاً، ولو كنَّ أربع نساء فلأوليائهن ديةٌ كاملة يقتسمونها أرباعاً وهكذا.
وإذا اختار قتل بعضهن دون البعض الآخر فلو كنَّ ثلاث نساء فقتل اثنتين كان على الثالثة الردُّ على أولياء الشريكتين ثلثَ الدية يقتسمونها بالسوية. ولو اختار عدمَ القصاص من جميعهن كان على كلِّ واحدة ثلثُ الدية لوليِّ المقتول.
اشتراك رجلٍ وامرأة في قتل رجل:
وإذا اشترك رجلٌ امرأةٌ في قتل رجلٍ مسلم كان لوليِّه الحقُّ في المطالبة بقتلهما معاً ولكنَّ عليه أنْ يردَّ نصف دية الرجل إلى وأولياء الرجل القاتل، وذلك لأنَّ مقدار جنايته هو النصف فيستحقُّ نصفَ ديته، وأما المرأة فلأنَّ ديتها نصف دية الرجل لذلك يكونُ مقدار جنايتها وهو النصف مستوفياً لمقدار ديتها، فلا يكون لأوليائها ردٌّ.
ولو اختار وليُّ المقتول قتل الرجل دون المرأة فعلى المرأة دفع نصف الدية لأولياء الرجل القاتل، لأنَّ ذلك هو مقدار جنايتها، ولو اختار وليُّ المقتول قتل المرأة دون الرجل فعلى الرجل أنْ يردَّ على أولياء المقتول نصفَ دية القتيل. وليس لأولياء المرأة ردٌّ لأنَّ مقدار جنايتها وهو النصف يساوي مقدار ديتها.
استيفاء القصاص معلَّقٌ على ردِّ ما يفضل عن الجناية:
ثم إنَّ هنا أمراً يجدرُ التنبيه عليه وهو أنَّه في الموارد التي يجبُ فيها على وليِّ المقتول الردُّ إلى أولياء القاتل ما يفضل عن مقدار جنايته يجب عليه في تمام هذه الموارد الردُّ قبل استيفاء حقِّه في القصاص، فلو اشترك رجلان في قتل وليِّه واختار قتلهما معاً لم يكن له الحقُّ في استيفاء حقِّه في القصاص منهما قبل أنْ يردَّ إلى أولياء كلِّ واحدٍ منهما نصفَ الدية، فلو لم يرد أو لم يكن قادراً على الردِّ لم يكن له استيفاء حقِّه في القصاص إلا بعد الردِّ.
ويدلُّ على ذلك مثل صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلاً؟ قَالَ: إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ قَتْلَهُمَا أَدَّوْا دِيَةً كَامِلَةً وقَتَلُوهُمَا .."(3) فالرواية ظاهرةٌ في تعليق جواز استيفاء أولياء المقتول لحقِّهم في القصاص على أداء ما يفضل من دية القاتلين عن مقدار جناية كلِّ واحدٍ منهما. وعليه لا يسوغ لهم الاستيفاء قبل الردِّ كما هو مقتضى التعليق.
وكذلك تدلَّ عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: في الرجل يقتلُ المرأة متعمِّداً فأراد أهل المرأة أنْ يقتلوه؟ قال: "ذلك لهم إنْ أدَّوا إلى أهلِه نصفَ الدية .."(4) فالرواية ظاهرة أيضاً في أنَّ جواز الاستيفاء للقصاص معلَّقٌ على أداء الردِّ من قِبل أولياءِ المقتول.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
9 / ذي القعدة / 1447ه
27 / أبريل / 2026م
1- مثل صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلاً؟ قَالَ: "إِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ قَتْلَهُمَا أَدَّوْا دِيَةً كَامِلَةً وقَتَلُوهُمَا، وتَكُونُ الدِّيَةُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولَيْنِ، فَإِنْ أَرَادُوا قَتْلَ أَحَدِهِمَا فَقَتَلُوه أَدَّى الْمَتْرُوكُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ وإِنْ لَمْ يُؤَدِّ دِيَةَ أَحَدِهِمَا ولَمْ يَقْتُلْ أَحَدَهُمَا قَبِلَ الدِّيَةَ صَاحِبُه مِنْ كِلَيْهِمَا" الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42. وصحيحة ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا قَتَلَ الرَّجُلَانِ والثَّلَاثَةُ رَجُلاً فَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاؤُه قَتْلَهُمْ تَرَادُّوا فَضْلَ الدِّيَاتِ وإِلَّا أَخَذُوا دِيَةَ صَاحِبِهِمْ" الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42. وصحيحة الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي عَشَرَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ رَجُلٍ قَالَ: يُخَيَّرُ أَهْلُ الْمَقْتُولِ فَأَيَّهُمْ شَاؤُوا قَتَلُوا، ويَرْجِعُ أَوْلِيَاؤُه عَلَى الْبَاقِينَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الدِّيَةِ" الكافي -الكليني- ج7 / ص282، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43. وموثقة الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ (ع): عَشَرَةٌ قَتَلُوا رَجُلاً؟ فَقَالَ: "إِنْ شَاءَ أَوْلِيَاؤُه قَتَلُوهُمْ جَمِيعاً وغَرِمُوا تِسْعَ دِيَاتٍ، وإِنْ شَاؤُوا تَخَيَّرُوا رَجُلاً فَقَتَلُوه وأَدَّى التِّسْعَةُ الْبَاقُونَ إِلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ الأَخِيرِ عُشْرَ الدِّيَةِ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْوَالِيَ بَعْدُ يَلِي أَدَبَهُمْ وحَبْسَهُمْ" الكافي -الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص43
2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص183، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص84.
3- الكافي- الكليني- ج7 / ص283، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42.
4- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص180، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص42.