إذا قتل الرجل امرأة أو العكس

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا قتل الرجلُ امرأةً عمداً فهل يُقتل بها؟ وما هو الحكم فيما لو قتلت المرأةُ رجلاً هل يكون عليها مضافاً للقصاص الردُّ لنصف الدية؟

الجواب:

إذا قتل الرجل امرأةً فإنَّ لأولياء المرأة الحقَّ في المطالبة بقتله قصاصاً ولكنَّ عليهم أنْ يردوا لأولياء القاتل نصف ديته اجماعاً بقسميه كما أفاد صاحب الجواهر(1).

القصاص والرد إذا قتل الرجل المرأة:

ويدلُّ على ذلك العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)

منها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يقتلُ المرأة متعمِّداً فأراد أهلُ المرأة أنْ يقتلوه؟ قال: "ذلك لهم إنْ أدَّوا إلى أهله نصفَ الدية، وإنْ قبلوا الدية فلهم نصفُ ديةِ الرجل، وإنْ قتلت المرأةُ الرجلَ قُتلتْ به وليس لهم الا نفسَها .."(2).

أقول: الفقرة الأولى من الرواية صريحةٌ في استحقاق أولياء المرأة للمطالبة بقتل الرجل قصاصاً إلا أنَّ عليهم أداء نصف ديتِه لأوليائه.

ومنها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: فِي رَجُلٍ قَتَلَ امْرَأَةً مُتَعَمِّداً؟ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يَقْتُلُوه ويُؤَدُّوا إِلَى أَهْلِه نِصْفَ الدِّيَةِ، وإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا نِصْفَ الدِّيَةِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وقَالَ: فِي امْرَأَةٍ قَتَلَتْ زَوْجَهَا مُتَعَمِّداً؟ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ أَهْلُه أَنْ يَقْتُلُوه قَتَلُوهَا، ولَيْسَ يَجْنِي أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ جِنَايَتِه عَلَى نَفْسِه"(3).

أقول: كذلك فإنَّ الفقرة الأولى من هذه الرواية صريحة في أنَّ لأولياء المرأة القتلَ للرجل القاتل قصاصاً إلا أنَّ عليهم أداءَ نصف ديته إلى أوليائه.

ومنها: صحيحة أَبِي مَرْيَمَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّه (ص) بِرَجُلٍ قَدْ ضَرَبَ امْرَأَةً حَامِلاً بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَقَتَلَهَا، فَخَيَّرَ رَسُولُ اللَّه (ص) أَوْلِيَاءَهَا أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وغُرَّةٌ وَصِيفٌ أَوْ وَصِيفَةٌ لِلَّذِي فِي بَطْنِهَا، أَوْ يَدْفَعُوا إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَاتِلِ خَمْسَةَ آلَافِ [دِرْهَمٍ] ويَقْتُلُوه"(4).

أقول: مفاد الفقرة الأخيرة من الرواية الشريفة هو أنَّ لأولياء المرأة القتيلة القتلَ للرجل القاتل إلا أنَّ عليهم إذا اختاروا القصاص أنْ يؤدُّوا إلى أوليائه نصفَ دية الرجل خمسة آلاف درهم.

ومنها: صحيحة عَبْدِ اللَّه بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا قَتَلَتِ الْمَرْأَةُ رَجُلاً قُتِلَتْ بِه، وإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَإِنْ أَرَادوا الْقَوَدَ أَدَّوْا فَضْلَ دِيَةِ الرَّجُلِ وأَقَادُوه بِهَا، وإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَبِلُوا مِنَ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ دِيَةَ الْمَرْأَةِ كَامِلَةً، ودِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ"(5).

أقول: قوله (ع): "وإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَإِنْ أَرَادوا الْقَوَدَ أَدَّوْا فَضْلَ دِيَةِ الرَّجُلِ وأَقَادُوه بِهَا" يعنى إذا اختار أولياء المرأة القود -القصاص بالقتل- فإنَّ لهم ذلك إلا أنَّ عليهم قبل الاستيفاء لحق القصاص أن يؤدوا لأولياء الرجل القاتل نصف ديته، لأنَّ دية المرأة نصف دية الرجل.

مناقشة الروايات المنافية:

فهذه الروايات وكذلك غيرها نصَّت على أنَّ الرجل يُقتل بالمرأة إلا أنَّ على أولياء المرأة القتيلة أنْ يؤدُّوا نصفَ دية الرجل القاتل لأوليائه إذا اختاروا قتله، ولا ينافي هذه الروايات ما ورد في معتبرة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) قتلَ رجلاً بامرأةٍ قتلها عمداً، وقتل امرأةً قتلتْ رجلاً عمداً"(6).

فإنَّ معتبرة السكوني وإنْ لم تذكر أنَّ على أولياء المرأة أداء نصف دية الرجل إلا أنَّها لم تنفِ ذلك، فهي ساكتة عن بيان استحقاق أولياء الرجل القاتل لنصف ديته، فتكون الروايات السابقة صالحة لإثبات ذلك، ولو قيل إنَّ مقتضى إطلاق المعتبرة هو عدم الاستحقاق كان الجواب أنَّه مع التسليم بظهورها في عدم الاستحقاق فإنَّ هذا الظهور لما كان بالإطلاق فإنَّ الروايات السابقة صالحة للتقييد أي أنَّ الروايات السابقة تكون قرينة على عدم إرادة الإطلاق.

هذا وقد وردت رواية مفادها أنَّ الرجل إذا قتل المرأة لم يستحق أولياؤها المطالبة بالقصاص، فليس لهم سوى الدية، هذه الرواية هي موثَّقة إسحاق بن عمار عن جعفر (عليه السلام) أنَّ رجلاً قتل امرأةً فلم يجعل عليٌّ (عليه السلام) بينهما قصاصاً، وألزمه الدية"(7).

إلا أنَّه يتعيَّن حملُ هذه الرواية إمَّا على أنَّ القتل لم يكن عن عمدٍ أو وقع الاشتباه في أنَّه كان عمديَّاً، وذلك بقرينة الروايات السابقة المستفيضة والصريحة في استحقاق أولياء المرأة للقصاص، فإنْ صحَّ الحمل على ذلك وإلا تعيَّن طرح الرواية وردُّ علمها إلى أهلها.

القصاص وعدم الرد إذا قتلت المرأة الرجل:

وأمَّا إذا قتلت المرأةُ رجلاً فإنَّ لأولياء الرجل حقَّ المطالبة بقتلها قصاصاً، وليس لهم أنْ يطالبوا مضافاً إلى القصاص بنصف الدية، نعم لو اختاروا الدية دون القصاص كان لهم دية الرجل كاملة، وهذا هو المشهور بين الفقهاء بل أفاد صاحب الجواهر أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك إلا ما تُشعر به كلمات بعض الأعلام(8).

ويدلُّ على عدم استحقاق أولياء الرجل القتيل لنصف الدية إذا اختاروا القصاص مثلُ صحيحة الحلبي المتقدمة والتي اشتملت على قوله (ع): "وإنْ قتلت المرأةُ الرجلَ قُتلتْ به وليس لهم الا نفسَها" وكذلك يدلُّ عليه ما ورد في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة والتي اشتملت على قوله: "وقَالَ: فِي امْرَأَةٍ قَتَلَتْ زَوْجَهَا مُتَعَمِّداً؟ فَقَالَ (ع): إِنْ شَاءَ أَهْلُه أَنْ يَقْتُلُوه قَتَلُوهَا، ولَيْسَ يَجْنِي أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ جِنَايَتِه عَلَى نَفْسِه".

نعم ورد ما يُعارض ذلك وهي صحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في امرأةٍ قتلتْ رجلاً؟ قال: تُقتل ويُؤدِّي وليُّها بقيةَ المال"(9) إلا أنَّه يتعيَّن طرحُها لشذوذها كما وصفها بذلك غير واحدٍ من الأعلام(10) وذلك لمنافاتها للروايات المُحرز صدورها، ولأنَّه لا عامل بمضمونها، فهي ساقطة في نفسها عن الحجيَّة، ومع افتراض مكافئتها للروايات السابقة واستحكام التعارض فإنَّ المرجع هو مرجِّحات باب التعارض وهي تقتضي تقديم الروايات القاضية بعدم الرد وذلك لمنافاتها لما عليه بعض العامة فتٌحمل صحيحة أبي مريم على التقية لذلك.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

9 / ذي القعدة / 1447ه

27 / أبريل / 2026م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص82.

2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص180، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص81. 

3- الكافي -الكليني- ج7 / ص299، تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص181، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص80.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص300، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص82.

5- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص181، الكافي -الكليني-ج7 / ص299، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص80.

6- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص183، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص84.

7- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص280، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص84.

8- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص84.

9- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص282، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص 85.

10- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص84.