الحكم فيما لو قتل المسلم كافراً

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

إذا قتل المسلم الكافر متعمِّداً بغير وجه حقٍّ فهل لأولياء الكافر المطالبة بقتله قصاصاً؟

الجواب:

المعروف بين فقهاء الإماميَّة (رضوان الله عليهم) أنَّه لا يُقاد مسلمٌ -مع عدم الاعتياد- بكافرٍ مطلقاً سواءً كان الكافر ذميَّاً أو مُستأمَناً أو كان حربيَّاً، وأفاد صاحب الجواهر(1) أنَّه لم يجد في ذلك خلافاً معتدَّاً به بل عليه الاجماع بقسميه، نعم يُعزَّر المسلم بقتله للذمِّي ويُغرَّم ديته بلا خلافٍ في ذلك كما أفاد صاحبُ الجواهر(2).

هذا إذا لم يعتد المسلمُ القتلَ لأهل الذمَّة وإلا فالمشهور في هذا الفرض هو استحقاقه للقصاص بل أدُّعي نفي الخلاف في ذلك وادَّعى غير واحدٍ من الأعلام الإجماع على استحقاق المسلم في هذا الفرض للقصاص(3).

ويدلُّ على أنَّ المسلم لا يُقاد بالكافر رواياتٌ عديدة منها صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: "لَا يُقَادُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ فِي الْقَتْلِ ولَا فِي الْجِرَاحَاتِ ولَكِنْ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ جِنَايَتُه لِلذِّمِّيِّ عَلَى قَدْرِ دِيَةِ الذِّمِّيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ"(4).

فمثل هذه الصحيحة وإنْ كانت بصدد نفي القصاص في فرض كون المقتول ذمِّياً إلا أنَّها تدلُّ بالأولويَّة القطعيَّة على نفي القصاص في فرض كون المقتول مستأمَناً أو حربيَّاً، إذ أنَّ الذمِّي أشدُّ حرمةً من الصنفين كما هو واضح ورغم ذلك أفادت الصحيحة عدم استحقاق المسلم للقصاص إذا قتله وأنَّ غاية ما يلزمه هي الدية.

إلا أنَّه وردت في مقابل ذلك رواياتٌ يظهر منها استحقاق المسلم للقصاص بقتل الذمِّي:

منها: صحيحة ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً أَوْ مَجُوسِيّاً فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيدُوا رَدُّوا فَضْلَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وأَقَادُوه"(5).

ومنها: صحيحة أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "إِذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ فَأَرَادَ أَهْلُ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يَقْتُلُوه قَتَلُوه وأَدَّوْا فَضْلَ مَا بَيْنَ الدِّيَتَيْنِ"(6).

ومنها: موثَّقة سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فِي رَجُلٍ مُسْلِمٍ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ شَدِيدٌ لَا يَحْتَمِلُه النَّاسُ ولَكِنْ يُعْطِي الذِّمِّيُّ دِيَةَ الْمُسْلِمِ ثُمَّ يُقْتَلُ بِه الْمُسْلِمُ"(7).

فمثل هذه الطائفة من الروايات منافية للطائفة الأولى حيث إن مفاد هذه الطائفة هو استحقاق أولياء الذمي للمطالبة بالقصاص من المسلم القاتل غايته أنَّ عليهم الأداء لما يفضل من ديته إلا أنَّه حيث كانت دلالة هذه الطائفة على الاستحقاق للقصاص بالإطلاق ودلالة الطائفة الأولى على عدم الاستحقاق للقصاص بالإطلاق أيضاً فإنَّه يتعين تقييد كلا الطائفتين بالروايات التي دلَّت على أنَّ المسلم لا يقاد بالذمي إلا في فرض الاعتياد.

فمِن هذه الروايات موثقة إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) عَنِ الْمُسْلِمِ هَلْ يُقْتَلُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَوَّداً لِقَتْلِهِمْ فَيُقْتَلُ وهُوَ صَاغِرٌ"(8).

ومنها: صحيحة إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلتُ: رجل قتل رجلاً من أهل الذمَّة قال: لا يقتل به إلا أن يكون متعوِّدا للقتل"(9) وروى الشيخ الطوسي بسندٍ معتبرٍ عن يونس عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام مثله(10).

فهذه الطائفة من الروايات تصلح شاهد جمع بين الطائفتين الأوليين فتكون النتيجة هي أنَّ المسلم لا يُقاد بالذمِّي وغيره من أصناف الكفَّار إلا أنْ يعتاد المسلمُ القتل لأهل الذمَّة فإنَّه في هذا الفرض يكون مستحقَّاً للقصاص فلأولياء الذمِّي المطالبة بالقصاص منه بعد أداء ما يفضل من ديته. وبذلك يرتفع التنافي بين الطائفتين الأوليين.

ولو بُني على استحكام التعارض وعدم القبول بصلاحية الطائفة الثالثة للجمع بين الطائفتين الأوليين فالمرجع هو مرجِّحات باب التعارض وهي مقتضية لترجيح الطائفة الأولى وذلك لموافقة الطائفة الثانية لمذهب فريق من أبناء العامة فتحمل الطائفة الثانية على التقية(11) هذا مضافاً إلى أنَّ الطائفة الأولى مطابقة لما عليه التسالم المعلوم كونه من السنَّة القطعيَّة في الجملة.

وأمَّا الحكم بتعزير المسلم بقتله عمداً للذمِّي فلما ثبت من استحقاق كلِّ من ارتكب جناية ومعصية كبيرة للتأديب والعقوبة.

وأمَّا وجوب تغريمه لدية الذمِّي فللروايات التي تقدَّم بعضُها كقوله (ع) في صحيحة محمد بن قيس: "ولَكِنْ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ جِنَايَتُه لِلذِّمِّيِّ عَلَى قَدْرِ دِيَةِ الذِّمِّيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ".

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

11 / ذي القعدة / 1447ه

29 / أبريل / 2026م


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص150.

2- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص151، رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص85.

3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص151.

4- الكافي -الكليني- ج7 / ص310، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص108.

5- الكافي -الكليني- ج7 / ص309، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص107.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص310، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص108.

7- الكافي -الكليني- ج7 / ص309، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص108.

8- الكافي -الكليني- ج7 / ص310، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص109.

9- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص190، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص109.

10- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص190، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص109.

11- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص150، رياض المسائل -السيد علي الطبأطبائي- ج14 / ص85.