إذا قتل الذميُّ ذميَّاً أو مسلماً
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو الحكم إذا قتل الذميُّ ذميَّاً مثله أو قتل كافراً من غير أهل الذمَّة ؟ وما هو الحكم لو قتل الذميُّ ذميَّةً أو العكس؟ وما هو الحكم لو قتل الذميُّ مسلماً أو مسلمة؟
الجواب:
إذا قتل الذميُّ ذميَّاً أو ذميَّة:
أمَّا إذا قتل الذميُّ ذميَّاً مثله متعمِّداً فحقُّه أنْ يُقتل به قصاصاً إذا اختار ذلك أولياءُ المقتول سواءً اتَّحداً في الديانة أو اختلفاً بأنْ كان القاتل يهوديَّاً والمقتول نصرانيَّاً أو العكس، وكذلك لو قتلت الذميَّةُ ذميَّةً مثلها، وهذا المقدار لم يقع مورداً للخلاف بين الفقهاء كما أفاد صاحبُ الجواهر رحمه الله تعالى(1).
ويدلُّ عليه عموماتُ الكتاب المجيد مثل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(2) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾(3) وكذلك يدلُّ عليه مثل معتبرة السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) كَانَ يَقُولُ: يُقْتَصُّ لِلنَّصْرَانِيِّ والْيَهُودِيِّ والْمَجُوسِيِّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ويُقْتَلُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ إِذَا قَتَلُوا عَمْداً"(4).
وكذلك لو قتلَ الذميُّ ذميَّةً أو قتلت الذميَّةُ ذميَّاً فإنَّ القاتل يكون مستحقَّاَ للقصاص إذا اختار ذلك أولياءُ المقتول ولم يقبلوا بالدية، فإنَّ الدليل المتقدِّم يتناولُ هذا الفرض، نعم إذا كان القاتل من أهل الذمَّة رجلاً والمقتول امرأة من أهل الذمة وأراد أولياؤها قتله بها كان عليهم أنْ يردُّوا إلى أولياء القاتل ما يفضلُ من ديته تماماً كما هو الشأنُ فيما لو قتل المسلمُ مسلمةً وأراد أهلُها الاقتصاصَ منه.
إذا قتل الذميُّ كافراً غير ذمِّي:
وأما إذا قتل الذميُّ -متعمِّداً- كافراً محقون الدم كالمستأمَن فكذلك يكون القاتل مستحقَّاً للقصاص إذا اختار ذلك أولياء المقتول، ويدلُّ عليه إطلاق قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} فالاسم الموصول يتناول بإطلاقه الكافر المحقون الدم.
إذا قتل الذميُّ مسلماً متعمِّداً:
وأمَّا إذا قتل الذميُّ مسلماً متعمِّداً فالحكم هو تخيير أولياء المقتول المسلم بين القصاص أو العفو أو الاسترقاق للقاتل، وهذا هو المشهور بين الفقهاء رضوان الله عليهم بل ادُّعي -كما أفاد صاحب الجواهر- في الانتصار والسرائر والروضة وظاهر النكت الاجماع عليه(5).
ويدلُّ على ذلك صحيحة ضُرَيْسٍ الْكُنَاسِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) فِي نَصْرَانِيٍّ قَتَلَ مُسْلِماً فَلَمَّا أُخِذَ أَسْلَمَ قَالَ: اقْتُلْه بِه، قِيلَ وإِنْ لَمْ يُسْلِمْ؟ قَالَ: يُدْفَعُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وإِنْ شَاؤُوا عَفَوْا، وإِنْ شَاؤُوا اسْتَرَقُّوا، وإِنْ كَانَ مَعَه مَالٌ دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ هُوَ ومَالُه"(6).
هذا إذا لم يُسلم الذميِّ أمَّا إذا سلم فليس لأولياء المقتول إلا أحد خيارين فإمَّا أنْ يختاروا القصاص منه أو العفو والمطالبة بالدية إذا رضيَ القاتل بأدائها، فليس لهم استرقاقه إذا أسلم وذلك -كما أفاد السيد الخوئي(7)- لأنَّ موضوع الاسترقاق هو الكافر الذميُّ والفرض أنَّه قد أسلم فانتفى موضوع الاسترقاق، وبذلك لا يكون لأولياء المقتول إلا أنْ يقتصُّوا من القاتل أو يختاروا العفو والمطالبة بالدية إذا تراضوا على ذلك.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
12 / ذي القعدة / 1447ه
30 / أبريل / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص156.
2- سورة المائدة / 45.
3- سورة الاسراء / 33.
4- الكافي -الكليني- ج7 / ص309، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص110.
5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص156.
6- الكافي -الكليني- ج7 / ص309، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص110.
7- مباني تكملة المنهاج -السيد الخوئي- ج42 / ص77.