العفو عن قيح الجروح والقروح في الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
القيحُ الخارج من الجروح والقروح هل هو معفوٌّ عنه في الصلاة أو أنَّ العفو مختصٌ بدم الجروح والقروح دون القيح المتنجِّس بها؟
الجواب:
نعم كما يُعفى عن دم الجروح والقروح في الصلاة كذلك يُعفى عن القيح الخارج منها كما نصَّت على ذلك صحيحة ليث المرادي قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دماً وقيحاً، وثيابه بمنزلة جلده؟ فقال: يُصلِّي في ثيابه ولا يغسلها ولا شيء عليه"(1) فإنَّ الواضح منها أنَّ العفو لا يختصُّ بدم القروح والدماميل بل يشمل القيح الخارج منها.
وكذلك تدلُّ على العفو عن القيح صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي؟ فقال: دعه فلا يضرُّك أنْ لا تغسله"(2) فالضمير في قوله (ع): "دعه، فلا يضرُّك أنْ لا تغسله" يرجع على الجرح الذي يسيل منه الدمُ والقيحُ فيُصيب الثوب، وبذلك تكون الرواية واضحةَ الدلالة على أنَّه كما يُعفى عن دم الجروح في الصلاة فكذلك يعفى عن القيح الذي يُفرزه الجرح، والرواية وإنْ لم تصرِّح بأنَّ مفروضها هو الصلاة إلا أنَّ ذلك هو المستظهَر منها، إذ من الواضح أنَّه ليس ثمة وجوب تكليفي بتطهير الثوب والبدن عن الدم وإنَّما يجبُ ذلك باعتباره شرط في صحَّة الصلاة، فالسؤال كان عن أنَّ هذا الشرط ثابت في فرض كون الدم من دم الجروح فجاء الجواب بالنفي وأنَّه لا يضرُّ بصحة الصلاة تلوُّث الثوب والبدن بالدم والقيح الخارج من الجرح.
وجهٌ آخر للعفو عن القيح:
هذا وقد أفاد السيد الخوئي رحمه الله (3) أنَّه لولم يرد نصٌّ خاصٌّ كالصحيحتين يدلُّ على العفو عن القيح لكانت روايات العفو عن دم الجروح والقروح في الصلاة كافية لإثبات العفو عن القيح إذ أنَّ القيح لا ينفك غالباً عن الجروح والقروح، فلا تكاد تجدُ جرحاً أو قرحةً لا يكون معها شيءٌ من القيح خصوصاً في مثل الدماميل، ولهذا يكون ما دلَّ على العفو عن دم القروح يدلُّ بالملازمة على العفو عن القيح، إذ لو تمَّ البناء على عدم العفو عن القيح وأنَّ روايات العفو عن القروح مختصةٌ بالقروح التي لا قيح فيها لكان ذلك مقتضياً لحمل روايات العفو عن القروح على الفرد النادر وهو مستهجَن لا يصح حمل الاطلاقات على إرادته، فروايات العفو عن القروح ظاهرةٌ -في نفسها- في العفو عن القيح الخارج عنها، إذ أن ذلك هو مقتضى التلازم الخارجي بين دم القروح والقيح.
العفو عن الدواء والعرق المتصل بها:
ومن ذلك يتَّضح صلاحية روايات العفو عن القروح لإثبات العفو عن الدواء الموضوع عليها والمتنجس بها، وكذلك العفو عن العرق المتَّصل بالجروح والقروح، إذ أنَّ حمل روايات العفو عن الجروح والقروح على الجروح والقروح التي لا يكون عليها دواء حملٌ للروايات على الفرد النادر، وكذلك حمل روايات العفو على إرادة الجروح والقروح غير المتصلة بالعرق حملٌ لها على الفرد النادر خصوصاً في الأماكن الحارة التي هي ظرف صدور هذه الروايات.
فروايات العفو عن الجروح والقروح ظاهرة في العفو عن الدواء الموضوع عليها والعرق المتَّصل بها، وبذلك تكون روايات العفو دالةٌ على العفو عن دم الجروح والقروح النجس والعفو عن الدواء والعرق المتنجس بها.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
14 / ذي القعدة / 1447ه
2 / مايو / 2026م
1- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص259، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص425.
2- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص259، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج3 / ص425.
3- التنقيح في شرح العروة الوثقى -السيد الخوئي- ج3 / ص399.