حكم من قتل مسلماً عليه قصاص أو حد بالقتل
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ما هو حكم مَن قتل مسلماً عليه قصاص ولم يكن هذا القاتل وليَّاً ولا مأذوناً من أولياء القصاص؟ وما هو حكم مَن قتل مسلماً محكوماً بالقتل لاجتراحه بعض ما يوجب القتل حدَّاً كالزنا بذات محرم؟
الجواب:
حكم مَن قتل مسلماً محكوماً بالقتل قصاصاً:
أمَّا حكم مَن قتل مسلماً محكوماً بالقتل قصاصاً ولم يكن قاتله وليَّاً ولا مأذوناً من قِبل أولياء الدم فهو الاستحقاق للقصاص دون خلافٍ ودون إشكالٍ كما أفاد صاحب الجواهر رحمه الله تعالى (1)
والمستند في ذلك هو أنَّ المقتول وإنْ كان مستحقاً للقصاص إلا أنَّ هذا الحقَّ ثابتٌ حصراً لأولياء الدم، وأما غيرهم فهو محقون الدم بالإضافة إليهم، وعليه يكون قتلُه له عدوانيَّاً وبغير وجه حقٍّ، فيكون مشمولاً لمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾(2) فلأولياء المقتول المستحقِّ للقصاص بمقتضى الآية المطالبة بالقصاص من قاتل قتيلهم وإنْ كان قتيلهم مستحقَّاً للقصاص لآخرين.
حكم من قتل مسلماً عليه حدٌّ بالقتل:
وأمَّا حكم من قتل مسلماً محكوماً عليه بالقتل لاجتراحه جناية موجبةً للقتل حدَّاً كالزنا فقد استُدلَّ على عدم استحقاق القاتل للقصاص بما رواه الشيخ في التهذيب بسندٍ له عن سعيد بن المسيَّب أنَّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري أنَّ ابن أبي الجسرين وجد رجلاً مع امرأته فقتله، وقد أشكل عليَّ القضاء فسلْ لي عليَّاً عن هذا الأمر، قال أبو موسى: فلقيتُ عليَّاً قال: فقال عليٌّ: والله ما هذا في هذه البلاد يعني الكوفة، ولا هذا بحضرتي فمِن أين جاءك هذا؟ قلتُ: كتبَ إليَّ معاوية أنَّ ابن أبي الجسرين وجد مع امرأته رجلاً فقتله، وقد أشكل عليه القضاء فيه، فرأيك في هذا؟ فقال: أنا أبو الحسن إنْ جاء بأربعةٍ يشهدون على ما شهد وإلا دُفع برمَّته"(3) ورواها الصدوق باسناده عن يحيى بن سعيد بن المسيب(4)
وتقريب الاستدلال بالرواية أنَّ الإمام (ع) حكم بعدم استحقاق القاتل للقصاص رغم أنَّه لم يكن الإمام ولا هو مأذونٌ من قبله، غايته أنَّ الإمام أمير المؤمنين(ع) قيَّد عدم الاستحقاق للقصاص بإقامة القاتل البيِّنة على ارتكاب المقتول لفاحشة الزنا، ومقتضى ذلك هو أنَّ قتل المرتكب لأحد موجبات القتل لا يوجب القصاص وإنْ لم يكن القاتل مأذوناً.
وببيانٍ آخر: إنَّ المرتكب لأحد موجبات القتل حدَّاً لا تكون لدمه حرمة، غايته أنَّه لا يصحُّ لغير الإمام أو مَن يقوم مقامه التصدِّي لإقامة الحدِّ عليه إلا أنَّه لو عصى أحدٌ فقام بقتله فإنَّه يكون قد قتل مَن لا حرمة لدمِه شرعاً، فلا يكون مستحقَّاً للقصاص من أوليائه، وهذا بخلاف المسألة السابقة فإنَّ المستحقَّ للقتل قصاصاً معصومُ الدم، فلا يحقُّ لأحدٍ قتله إلا أولياء الدم، فإنَّ لهم قتله كما أنَّ لهم العفو عنه والمطالبة بالدية أو العفو عنه دون دية، وأما المستحِقُّ للقتل لارتكابه أحد موجباتِ القتل حدَّاً فليس بمعصوم الدم شرعاً غايته أنَّه لا يجوز لأيِّ أحد التصدي لإقامة الحد عليه دون إذنٍ من الإمام أو نائبه.
وأجيب عن الاستدلال بالرواية بقطع النظر عن ضعف سندها أنَّ غاية ما تدلُّ عليه هو أنَّ الزوج لو أقدم على قتل مَن زنا بزوجته لم يكن مستحقَّاً للقصاص، وأمَّا أنَّ الزاني ليس بمعصوم الدم شرعاً حتى بالإضافة لغير الزوج فذلك ما لا يُمكن استظهاره مِن الرواية. وعليه يكون المرجع فيما عدا مفروض الرواية هو الاطلاقات الدالَّة على أنَّ مَن قتل مسلماً متعمِّداً كان لأولياء المقتول حقُّ المطالبة بالاقتصاص من قاتله سواءً كان المقتول مستحقَّاً للقتل لارتكابه أحد موجبات القتل حدَّاً أو لم يكن كذلك.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
15 / ذي القعدة / 1447ه
3 / مايو / 2026م
1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص168.
2- سورة الإسراء / 33.
3- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج10 / ص314، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص135.
4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص172، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص135.