هل يسقط القصاص عن القاتل إذا عرض عليه الجنون

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

لو أقدم المجنون على قتل مسلم متعمِّداً فهل يحقُّ لأولياء المقتول المطالبة بالقصاص من القاتل بعد افاقته؟ وما هو الحكم لو قتل العاقلُ مسلماً متعمِّداً ثم عرض له الجنون هل يصحُّ الاقتصاص منه في هذا الفرض ؟.

الجواب:

لا إشكال في اعتبار العقل في صحَّة القصاص من القاتل، فلا قصاص على المجنون سواءً كان جنونُه مطبقاً أو كان أدوارياً إذا كان قد أقدم على القتل حال جنونه، فلا قصاص عليه حتى بعد افاقته، وعلى ذلك انعقد الإجماعُ بقسميه كما أفاد صاحب الجواهر(1).

إذا قتل حال جنونه ثم أفاق:

ويدلُّ على ذلك مضافاً إلى حديث رفع القلم عن المجنون رواياتٌ عديدة نصَّت على عدم صحَّة الاقتصاص من المجنون:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل جنايةَ المعتوه على عاقلته خطأ أو عمداً"(2).

ومنها: معتبرة إسماعيل بن أبي زياد -السكوني- عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) يسألُه عن رجلٍ مجنونٍ قتل رجلاً عمداً فجعل الدية على قومِه، وجعلَ خطأه وعمدَه سواء"(3).

ومنها: رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) أنَّه كان يقول في المجنون، والمعتوه الذي لا يفيق، والصبي الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحملُه العاقلة، وقد رُفع عنهما القلم"(4).

والواضح من مثل هذه الروايات هو نفي القصاص عن المجنون إذا صدر منه القتل حال جنونه، ومقتضى الإطلاق فيها هو نفي القصاص عنه سواءً أفاق بعد جنايته أو ظلَّ على جنونه إلى أنْ مات، فالمدار في سقوط القصاص على حال القاتل حين الجناية، فإذا كان مجنوناً حين الجناية لم يثبت عليه القصاص مطلقاً حتى وإنْ أفاق بعدها.

إذا أقدم العاقل على القتل ثم عرض له الجنون:

وأمَّا لو أقدم العاقل على قتل مسلمٍٍ متعمِّداً ثم عرض له الجنونُ فالظاهر عدم وقوع الخلاف بين فقهاء الإماميَّة في استحقاقه للقصاص، فقد أفاد صاحبُ الجواهر أنَّه لم يجد خلافاً في ذلك(5) نعم ذهب بعضُ العامَّة إلى المنع من الاقتصاص منه إذا عرض له الجنون وإنْ كان صدور جناية القتل منه وقع حين كان عاقلاً.

والمستند في البناء على ثبوت القصاص على المجنون إذا كانت جنايتُه في ظرف العقل هو إطلاقات الأدلَّة التي نصَّت على أنَّ العاقل إذا أقدم على قتل مسلم متعمِّداً كان مستحقَّاً للقصاص، فإنَّ مقتضى هذه الإطلاقات هو أنَّه يكون مستحقاً للقصاص سواءً عرض له الجنون بعد جناية القتل أو لا، فالمناط في ثبوت القصاص بمقتضى هذه الإطلاقات هو صدور جناية القتل حال العقل، وأمَّا روايات نفي القصاص عن المجنون فهي ظاهرة -كما تقدَّم- في أنَّ نفي القصاص إنَّما هو في فرض وقوع الجناية حال الجنون، وعليه فلا تكون هذه الروايات صالحة لتقييد إطلاقات ما دلَّ على ثبوت القصاص على القاتل إذا صدر منه القتل حال كونه عاقلاً، فروايات نفي القصاص عن المجنون لا تشمل هذا الفرض.

ويُؤيد البناء على استحقاق العاقل للقصاص حتى بعد عروض الجنون عليه رواية بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعِجْلِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلاً عَمْداً فَلَمْ يُقَمْ عَلَيْه الْحَدُّ ولَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ عَلَيْه حَتَّى خُولِطَ وذَهَبَ عَقْلُه، ثُمَّ إِنَّ قَوْماً آخَرِينَ شَهِدُوا عَلَيْه بَعْدَ مَا خُولِطَ أَنَّه قَتَلَه؟ فَقَالَ: إِنْ شَهِدُوا عَلَيْه أَنَّه قَتَلَه حِينَ قَتَلَه وهُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِه عِلَّةٌ مِنْ فَسَادِ عَقْلِه قُتِلَ بِه، وإِنْ لم يَشْهَدُوا عَلَيْه بِذَلِكَ وكَانَ لَه مَالٌ يُعْرَفُ دُفِعَ إِلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةُ مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ، وإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالاً أُعْطِيَ الدِّيَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ولَا يَبْطُلُ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ"(6).

فقوله (ع) "إِنْ شَهِدُوا عَلَيْه أَنَّه قَتَلَه حِينَ قَتَلَه وهُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِه عِلَّةٌ مِنْ فَسَادِ عَقْلِه قُتِلَ بِه" واضحٌ في ثبوت القصاص عليه رغم أنَّ مفروض المسألة هو أنَّ القاتل حين إقامة البينة عليه قد خولط وذهب عقله. فهذه الرواية وإنْ كانت ضعيفة السند لاشتمال سندها على خضر الصيرفي وهو مجهول الحال إلا أنَّها صالحة للتأييد.

نعم قد يقال إنَّه لا يضرُّ بحجيَّتها ضعفُ سندها، وذلك لانجبار الضعف بعمل المشهور بل عامة الفقهاء بمضمونها.

إلا أنَّ ذلك لا يصحُّ فإنَّ من غير المُحرز استناد المشهور إلى هذه الرواية فلعلَّ مستندَهم هو ما ذكرناه من إطلاقات الأدلة القاضية باستحقاق القاتل للقصاص إذا أقدم على القتل وهو عاقل وإنْ عرض له الجنون بعد ذلك فالصحيح أنَّ المستند في البناء على ثبوت القصاص على المجنون إذا كانت جنايتُه قد وقعت في ظرف العقل هو إطلاقات الأدلَّة التي نصَّت على أنَّ العاقل إذا أقدم على قتل مسلم متعمِّداً كان مستحقَّاً للقصاص فإنَّ مقتضى إطلاقها هو ثبوتُ القصاص سواءً عرض له الجنونُ بعد ذلك أو لا.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

18 / ذي القعدة / 1447ه

6 / مايو / 2026م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص179.

2- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص141، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص400.

3- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص115، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص401.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص90.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص179.

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص295، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص72.