هل يثبت القصاص على الأعمى

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

هل يثبت القصاص على الأعمى إذا قتل مسلماً متعمِّداً؟

الجواب:

اختلف الفقهاء رضوان الله عليهم في ذلك فالمنسوب لأكثر المتأخرين -كما أفاد صاحب الجواهر(1)- هو أنَّ الأعمى كالبصير مستحقٌّ للقصاص إذا قتل مسلماً متعمِّداً وذلك هو مقتضى إطلاقات الكتاب المجيد والسنَّة الشريفة والتي أفادت أنَّ النفس بالنفس ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾(2).

وفي المقابل نُسب -كما في الجواهر(3)- إلى أبي علي والشيخ الطوسي والصهرشتي والطبرسي وابني البراج وحمزة وكذلك هو ظاهر الصدوق بل في غاية المراد أنَّ هذا القول هو المشهور بين الأصحاب

مستند القول بنفي القصاص عن الأعمى:

ومستندهم في ذلك هو صحيحة محمد الحلبي قال: "سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلٍ ضربَ رأسَ رجلٍ بمعولٍ فسالتْ عيناه على خدَّيه فوثبَ المضروبُ على ضاربه فقتلَه؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هذان معتدِّيان جميعاً، فلا أرى على الذي قتلَ الرجلَ قوَداً، لأنَّه قتلَه حين قتلَه وهو أعمى، والأعمى جنايتُه خطأٌ تلزم عاقلته، يؤخذون بها في ثلاث سنين، في كلِّ سنةٍ نجماً، فإنْ لم يكن للأعمى عاقلة لزمته ديةُ ما جنى في مالِه يُؤخذ بها في ثلاث سنين، ويرجع الأعمى على ورثةِ ضاربه بديةِ عينيه"(4).

فقوله (ع): "والأعمى جنايتٌه خطأٌ تلزمُ عاقلته" شديد الظهور في عدم استحقاق الأعمى للقصاص، وأنَّ عمْدَه بحكم الخطأ، وأمَّا ما أفاده بعض الأعلام(5) من أنَّ الرواية ليست صريحةً في نفي القصاص عن الأعمى، وذلك لجواز أن تكون كلمة "خطأ" منصوبة على الحال، ويكون خبر المبتدأ هو الجملة الفعلية، والتقدير جناية الأعمى خطأً تلزمُ عاقتلته، فالرواية بناءً على ذلك تكون متصدِّية لبيان حكم قتل الخطأ. فلا تصلحُ لإثبات سقوط القصاص عن الأعمى إذا قتل متعمِّداً.

إلا أنَّ ذلك خلاف الظاهر من مساق الرواية فقوله (ع): "فلا أرى على الذي قتلَ الرجلَ قوَداً، لأنَّه قتلَه حين قتلَه وهو أعمى" ظاهرٌ في أنَّ للأعمى خصوصية، فلو كان الإمام(ع) بصدد بيان حكم قتل الخطأ لم يكن للأعمى خصوصية، وهو خلاف ظاهر الفقرة المذكورة، فظاهر الفقرة المذكورة هو التصدِّي لبيان حكم قتل العمد من الأعمى وأنَّ قوله (ع): "والأعمى جنايته خطأ" توطئة لبيان أنَّ عليه الدية تتحملها العاقلة، فالصحيح أنَّ كلمة "خطأ" في موقع الخبر وأنَّ تقدير الجملة هو جناية الأعمى خطأٌ أي منزَّلة حكماً منزلة الخطأ.

وكذلك يدلُّ على عدم استحقاق الأعمى للقصاص موثقة أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنْ أَعْمَى فَقَأَ عَيْنَ صَحِيحٍ مُتَعَمِّداً؟ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِنَّ عَمْدَ الأَعْمَى مِثْلُ الْخَطَأِ، هَذَا فِيه الدِّيَةُ مِنْ مَالِه، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَه مَالٌ فَإِنَّ دِيَتَه عَلَى الإِمَامِ، ولَا يَبْطُلُ حَقُّ مُسْلِمٍ"(6).

وهذه الرواية أصرح في عدم ثبوت القصاص على الأعمى وإن كانت جنايته عمديَّة، وأما قوله (ع): "هَذَا فِيه الدِّيَةُ مِنْ مَالِه" فمحمولٌ على فرض أنَّه ليس لديه عاقلة بقرينة صحيحة الحلبي، فالدية ابتداءً تكون على العاقلة فإن لم تكن له عاقلة لزمه تحمُّل الدية من ماله، فإنْ لم يكن له مال فإنَّ ديته تكون على الإمام أي من بيت مال المسلمين كما أفادت الموثقة حتى لا يبطل حقُّ مسلم.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

20 / ذي القعدة / 1447ه

8 / مايو / 2026م

 


1- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص188

2- سورة الإسراء / 33.

3- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص189.

4- من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص142، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص399.

5- جواهر الكلام -الشيخ حسن النجفي- ج42 / ص189

6- الكافي -الكليني- ج7 / ص302، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج29 / ص89.