تاريخ السفارات الكاذبة -3

وهنا أمران يحسن الإشارة إليهما ونحن بصدد استعراض تأريخ السفارات الكاذبة.

أكثر أدعياء السفارة انحرفوا عقائديا 

الأمر الأول: إن أكثر من ادّعى السفارة والنيابة للإمام الحجة (عج) انتهى أمره إلى الانحراف العقائدي التام، فيكون أمره في مبدأ انحرافه مدّعيًا للنيابة والبابيَّة، ثم ينتهي إما إلى الكفر، أو الغلو وهو من شعب الكفر أو إلى القول بالتناسخ والحلول، أو التبني لتشريعات منافية لضرورة الإسلام كما اتفق لبعضهم القول بجواز نكاح المحارم.

ويمكن التوثُق من ذلك بملاحظة استقراء أحوال أدعياء السفارة، مضافًا إلى ما أفاده بعض علمائنا المتقدمين والمعاصرين لزمن الغيبة الصغرى وبدايات الغيبة الكبرى، ومن ذلك ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بسندٍ معتبرٍ عن أبي علي بن همام قال: قال أبو علي بن هارون: "وكل هؤلاء المدعين إنما يكون كذبهم أولاً على الإمام (عج) وإنهم وكلاؤه، فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر عن أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه عليهم جميعًا لعائن الله تترى"(1).

وأما الطريق الآخر وهو استقراء أحوال أدعياء السفارة، فنذكر له أربعة نماذج:

النموذج الأول: أبو محمد المعروف بالشريعي، وقيل إنَّ اسمه الحسن، وكان من أصحاب الإمامين العسكريين (ع).

روى الشيخ في الغيبة بسنده عن أبي علي محمد بن همام قال: قال هارون: "وهو أول من ادّعى مقامًا لم يجعله الله فيه ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله وعلى حججه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم، وما هم منه براء .." قال: ثم ظهر منه القول بالكفر والإلحاد(2).

وروى ذلك الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج(3).

النموذج الثاني: محمد بن نصير النميري، روى الشيخ عن ابن نوح عن هبة الله بن محمد قال: "كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي (ع) فلما توفي ادّعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان، أنه صاحب إمام الزمان، وادّعى البابية، وفضحه الله بما ظهر منه من الإلحاد والجهل .. وادعى ذلك الأمر بعد الشريعي"(4).

وروى الشيخ أيضًا في كتاب الغيبة قال: قال سعد بن عبد الله: كان محمد ابن نصير يدّعي أنه رسول نبي، وأنَّ عليَّ بن محمد أرسله، وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن (ع) ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضًا في أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والإخبات والتذلل في المفعول به، وأنه من الفاعل إحدى الشهوات والطيبات، وإنَّ الله عزّ وجل لا يحرِّم شيئًا من ذلك(5).

وروى ذلك الكشي عن أبي عمرو(6).

وقال ابن شهرآشوب في كتابه المناقب: إنّ محمد بن نصر النميري زعم أن الله لم يظهر إلا في هذا العصر وأنه علي (ع) وحده، فالشرذمة النصيرية ينتمون إليه، وهم قوم إباحية تركوا العبادات والشرعيات واستحلَّوا المنهيات والمحرمات، ومن مقالهم: إنَّ اليهود على الحق ولسنا منهم، وإنَّ النصارى على الحق ولسنا منهم(7).

النموذج الثالث: محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر وهو ممن ادّعى البابية والنيابة لصاحب العصر والزمان (عج) وأفاد النجاشي: انه ترك المذهب ودخل في المذاهب الرديئة(8).

روى الشيخ الطوسي عن الصفواني قال: سمعت أبا علي بن همام يقول: سمعت محمد بن علي العزاقري الشلمغاني يقول: الحق واحد وإنما تختلف قمصه، فيوم يكون في أبيض ويوم يكون في أحمر ويوم يكون في أزرق(9).

قال ابن همام: فهذا أول ما أنكرته من قوله، لأنه قول أصحاب الحلول.

وروى الشيخ الطوسي أن الشلمغاني كان يقول بأن روح رسول الله قد حلَّت في بدن أبي جعفر محمد بن عثمان العمري وأن روح السيدة فاطمة (ع) حلَّت في الكبيرة أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري. (10)

وقال (رحمه الله): "أن للشلمغاني حكايات قبيحة وأمور فظيعة نُنزِّه كتابنا عن ذكرها، ذكرها ابن نوح وغيره"(11).

النموذج الرابع: أبو دلف الكاتب، ادعى النيابة بعد انقضاء عصر الغيبة الصغرى ولم يكن أحد غيره قد ادعاها بعد وفاة أبي الحسن علي بن محمد العمري السفير الربع.

وقد روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بسنده عن جعفر بن محمد بن قولويه أنه قال: "أما أبو دلف الكاتب -لا حاطه الله- فكنا نعرفه ملحدًا ثم أظهر الغلو ثم جنَّ وسلسل ثم صار مفوضًا .."(12).

وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): "وحكايات فساد مذهب أبي دلف أكثر من أن تُحصى فلا نطوِّل بذكرها الكاتب ها هنا"(13).

هذه نماذج أربعة، ولولا خشية الإطالة لاستعرضنا أحوال كلِّ من ادعى النيابة عن صاحب الأمر، فما من أحدٍ ممن ادعى هذا المنصب كذبًا ممن ذكرهم الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة إلا وقد انحرف عن المذهب واتخذ لنفسه مذهبًا فاسدًا كمذهب الغلاة أو المفوضة أو مذهب الإباحية.

ولعل منشأ ذلك هو الخذلان الإلهي، وحتى ينكشف للمؤمنين مخبوء سريرة المدعي لذلك، ويتبين لهم خبث ما انطوت عليه نفسه، فلا يكون بعدئذٍ لمتوهم عذر يعتذر به.

انقطاع السفارة من ضروريات المذهب

الأمر الثاني: إن انقطاع السفارة والنيابة الخاصة لصاحب الأمر (عج) بموت السفير الرابع يُعدُّ من ضروريات المذهب ومن مسلَّمات الإماميَّة، وذلك وحده كاف لثبوت كذب كلِّ من ادعى النيابة بعد انقضاء عصر الغيبة الصغرى وموت أبي الحسن السمري، ولا ريب في حجيَّة التسالم حتى عند مَن لا يرى للإجماع حجيَّة، وذلك لأن التسالم من الأدلة الوجدانية وليس من قبيل الأدلة الإجتهادية، ولهذا روى الشيخ الطوسي عن شيخه الشيخ المفيد عن أبي الحسن علي بن بلال المهلبي وهو من الثقات الأجلاء قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه -وهو من أجلاء الطائفة وأعيانها- يقول: وأما أبو دلف الكاتب -لا حاطه الله- .. ولا عرفته الشيعة إلا مدة يسيرة، والجماعة تتبرأ منه وممن يُومي إليه ويُنمِّس به .. فلعنَّاه وبرئنا منه، لأن عندنا أن كل من ادعى الأمر بعد السمري (رحمه الله) فهو كافر منمس ضال مضل وبالله التوفيق(14).

فهذا النص والذي هو في أعلى مراتب الصحة السندية صريح في أنَّ ادعاء السفارة والنيابة بعد السمري يُعدُّ من شعب الكفر ومن الضلال البيِّن، وذلك تعبير عن أنَّ انقطاع السفارة بموت السمري من ضروريات المذهب الشريف المستلزم لضلالة كلِّ من تنكَّر لذلك.

ويمكن تأييد هذا التسالم بالتوقيع الشريف الصادر عن الناحية المقدسة على يد أبي الحسن علي بن محمد السمري، فقد روى الشيخ الصدوق عن شيخه أبي محمد الحسن بن أحمد المكتِّب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعًا نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة الثانية (التامة) فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني، والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"(15).

أما سند هذا التوقيع الشريف فهو معتبر وأعلائي، فهو أعلائي نظرًا لقلة الوسائط بين الراوي و بين الإمام (عج)، فالواسطة بين الشيخ الصدوق (رحمه الله) وبين الإمام (عج) هو شيخه أبو محمد الحسن بن أحمد المكتِّب، والثاني هو الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري، والحديث إذا كان سنده أعلائيًّا يكون أدعى بنظر علماء الرجال وكذلك عموم العقلاء للوثوق بصدوره، فيكون ذلك قرينة تُضاف إلى وثاقة رواته على صدقه، وأما أنه معتبر فلأن راويه هو شيخ المحدثين عند الإمامية وهو الشيخ الصدوق (رحمه الله)، وقد رواه عن شيخه أبي محمد الحسن بن أحمد المكتِّب والذي كان يكثر من الترحم عليه والترضي عنه، وتلك أمارة على وثاقته، وأما راوي التوقيع مباشرة عن الإمام (عج) فهو الشيخ السمري السفير الرابع والذي هو غني عن التعريف وذلك لتسالم الطائفة على جلالة قدره وعلوِّ شأنه.

هذا وقد تلقَّى علماء الطائفة هذا التوقيع بالقبول واستندوا إليه في مدوَّناتهم، وتلك أمارة أخرى على اعتبار هذا التوقيع الشريف.

وأما دلالة التوقيع على انقطاع السفارة بموت السمري فهي مستفادة من قوله (عج) للسمري (رحمه الله): "فأجمع أمرك ولا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة أو الثانية، فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل".

فالنهي عن الإيصاء صريح في انقطاع السفارة بموت السمري، خصوصًا وأن الإمام فرَّع على ذلك وقوع الغيبة التامة أو الثانية، وذلك تعبير صريح عن أن طبيعة الغيبة التامة والثانية مختلفة عن طبيعة الغيبة الصغرى، وليس من شيء امتازت به الغيبة الأولى إلا السفراء الذين كان يتصل الإمام بشيعته عن طريقهم، فلا معنى لوقوع الغيبة الثانية أو التامة إلا انتفاء هذا الميزة وذلك هو معنى انقطاع السفارة والنيابة الخاصة.

على أن قوله (عج): "فلا ظهور" يقتضي ذلك أيضًا إذ أنه (عج) لم يكن ظاهرًا أيضًا في زمن الغيبة الأولى إلا بمستوى الالتقاء بالسفراء، ومعنى ذلك أن هذا المستوى من الظهور يكون منتفيًا في الغيبة الثانية.

ثم إن الإمام (عج) صرَّح في ذيل التوقيع الشريف أن من ادّعى المشاهدة بعد وقوع الغيبة الثانية والتامة وقبل ظهور السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر.

والقدر المتيقن من مدلول المشاهدة هو الاتصال المنتظم بالإمام (عج) ودعوى النيابة الخاصة، بل إن المتعيِّن من مدلول لفظ المشاهدة هو ذلك بقرينة أن التوقيع كان بصدد بيان انتفاء النيابة بموت السمري فيكون ذلك قرينةً على أن المراد من قوله: "فمن ادّعى المشاهدة ..، فهو كذّاب مفتر" هو المشاهدة المنتظمة التي لا تتفق إلا للنواب والوكلاء.

والحمد لله رب العالمين

 

من كتاب: تساؤلات في الفقه والعقيدة

الشيخ محمد صنقور


1- الغيبة: 397، بحار الأنوار: ج51/367، جامع احاديث الشيعة: ج14/449.

2- الغيبة: 397، بحار الأنوار: ج51/367.

3- الاحتجاج للطبرسي: ج2/289.

4- الغيبة: 398، بحار الأنوار: ج51/367.

5- الغيبة: 398، بحار الأنوار: ج25/318، ج51/368.

6- اختيار معرفة الرجال: ج2/805.

7- مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب: ج1/228، بحار الأنوار: ج25/286.

8- رجال النجاشي: 378.

9- الغيبة: 408، بحار الأنوار: ج51/373.

10- الغيبة: 404، بحار الأنوار: ج51/372.

11- الغيبة: 406، بحار الأنوار: ج51/373.

12- الغيبة: 412، بحار الأنوار: ج51/377.

13- الغيبة: 413، بحار الأنوار: ج51/378.

14- الغيبة: 412، خلاصة الأقوال للعلامة الحلي: 434، بحار الأنوار: ج51/378.

15- كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: 516، الغيبة 395، الاحتجاج/ ج2/297، تاريخ المواليد للطبرسي: 69، الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي: 603، الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي ج3/1129، إعلام الورى للطبرسي ج2/260، كشف الغمة للأردبيلي ج2/347، بحار الأنوار ج51/361، ج52/151.