قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾


المسألة:

قال تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾، فهنا عبّرت الآية عن أنّ المساكين يملكون السفينة والحال أنّ المسكين هو من لا يملك قوت نفسه فكيف يمكن لهم أن يملكوا سفينة أو قاربا؟!

الجواب:

ليس المراد من المسكين شرعًا هو من لا يملك قوتًا مطلقًا بل هو الذي لا يملك ما يكفيه لنفسه وعياله، فهو وإن كان أسوأ حالاً من الفقير كما هو رأي المشهور وكما هو مقتضى صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (ع): "إنَّه سأله عن الفقير والمسكين فقال: "الفقير الذي لا يسأل والمسكين هو أجهد منه الذي يسأل" إلاّ أنَّ كونه أسوأ حالاً من الفقير لا يقتضي عدم وجدانه لشيء يملكه وإن كان يسيرًا. أمَّا أنَّه كيف يصح وصف الملاَّك لسفينة بالمساكين رغم أن السفينة من الأموال الخطيرة التي لا يملكها إلا أهل الثراء فجوابه أن الآية المباركة لم تُفصح عن عدد المشتركين في السفينة فلعلَّهم كثرٌ بحيث يكون نصيب كلِّ واحدٍ منهم يسيرًا لا يُخرجه عن وصف المسكين.

وثمة جواب آخر هو أن المسكين قد يُطلق على العاجز المستضعف الذي لا قدرة له على دفع الظلم عن نفسه ولا حيلة له تمنع من وقوع ظلم المتسلَّط عليه، فمثل من يكون هذا حاله يسمى مسكينًا وإن كان متموِّلاً، واطلاق وصف المسكين عليه إنَّما هو لغرض التعبير عن الإشفاق والرحمة له.

لذلك ورد في الحديث "مساكين أهل النار"، وورد أيضًا "مسكين مسكين من لا زوجة له"، وورد عن أمير المؤمنين (ع): "مسكين ابن آدم تقتله الشرقة".

وقال الشاعر العربي:

مساكينُ أهل الحبِّ حتى قبورهم عليها تراب الذلِّ بين المقابر

فالاستعمالات لكلمة المسكين في الموارد المذكور كان لغرض التعبير عن الرحمة والإشفاق، ولعلَّ ذلك هو منشأ وصف القرآن الكريم لملاك السفينة بالمساكين، إذ أنَّ السلطان الذي كان وراءَهم يأخذُ كل سفينة غصبًا وعدواناً دون أن تكون لهم طاقة على منعه من التعدِّي عليهم، فكان هذا الوصف تعبيرًا عن الشفقة عليهم.

والحمد لله رب العالمين

 

الشيخ محمد صنقور